وقت القهوة..

image

حتّى وقت قريب كانت إجابتي المباشرة والقاطعة لكل من يباشرني بفنجان من القهوة العربية: شكرًا.  ما أشرب قهوة عربية.

وحتّى وقت قريب أيضًا كنت لا آكل التمر إلاّ قليلا جدا – السكّري القاسي فقط – وكنت معتادة على تناول الماء عند الإفطار بعد الصيام لا التّمر.

واليوم أجد أنّ أحد أوقاتي المفضّلة لديّ هو وقت القهوة والتّمر، خصوصًا لو كنت برفقة أهلي أو قريباتي أو صديقاتي.

يبدو أنّنا لا نستحق ثقة أنفسنا، رغباتنا وأفكارنا ومشاعرنا وما نتقبّله أو نرفضه، ما نحبه وما نكرهه، كلها أمور متقلّبة لا تستقرّ على حال، ما هو الجزء الثابت منّا؟ من نحن؟ هل نحن مجموع هذه التقلّبات؟ هل نحن جوهر مستقرّ غير معرّف وكلّ ما عدا ذلك هو قشرة طارئة متبدّلة؟ لست أدري..

تجربتي في تحويل مفرش كروشيه إلى سلّة

IMG_2015-07-31 21:21:32IMG_2015-07-31 22:01:01

رأيتُ الكثير من التّجارب حول تحويل مفارش الدانتيل إلى سلال ولم أفكّر يومًا في تطبيقها، قبل أسبوع تقريبًا كنتُ أقوم بكيّ مفرش صنعته واكتشفتُ بأنّه من المستحيل تسطيحه بشكل كامل حيث يستمرّ بالتقعّر، هذه المشكلة تعود إمّا لنقصان غير متعمّد في الغرز أثناء العمل، أو تغيير لمقاس السنّارة إلى مقاس أصغر، حيث تغيير مقاس السنّارة من ١.٤ ملم مثلاً إلى ١.٧٥ ملم يحدث تغييرًا لا يصدّق !

اقترحت عليّ سمر بتحويل المفرش إلى سلّة، تحمّست وبحثت عن طرق تنفيذ الفكرة ووجدتها أشهرها:

١. استخدام fabric stiffener، وهو عبارة عن مادّة تشبه الغراء تُضاف إلى الأقمشة بطريقة معيّنة لتحوّلها إلى خامات متصلّبة، يمكنكم شراؤه من أمازون كمثال.

٢. استخدام الغراء الأبيض الممزوج بالماء.

٣. استخدام مزيج السكّر والماء وهي طريقة عتيقة جدًا.

بسبب عدم توفّر متطلّبات الخيارين الأولين قررتُ استخدام الطريقة الثالثة ولكنّي أضفتُ النّشا لعدم ثقتي بالسكّر :p

هذه هي الطريقة الّتي استخدمتها: اضغط هنا

باختصار الطريقة هي غلي نسب متساوية من السكر والماء ثمّ ترك المزيج يبرد حتّى يصل درجة حرارة الغرفة، ثمّ وضع المفرش في المزيج حتّى يتشرّبه تمامًا، ثمّ وضع المفرش على “زبديّة مقلوبة” ليآخذ شكل الوعاء.

تركتُ العمل تحت الشّمس لثلاثة أيّام تقريبًا حتّى جفّ تمامًا، كنت مصدومة في كونه ملتصق تمامًا بالوعاء! اعتقدتُ بأنّني لن أتمكّن من فصله عنه إلاّ بالماء أو بكسره – كان متصلّبًا كالمعدن -، في النهاية حاولت فصلهما بالقوّة فكان لي ما أردت، شعرتُ بسعادة كبيرة كبيرة .. كان شكله مدهشًا وساحرًا :D

روابط لطرق أخرى:

http://blog.freepeople.com/2012/09/diy-lace-doily-bowl/

http://www.crochetspot.com/how-to-stiffen-or-starch-crochet-articles//

http://bynumber19.com/2011/09/10/tutorial-how-to-starch-a-doily-to-a-bowl/

2015 BAM CAL

موقع Raverly هو أحد أشهر المواقع المهتمّة بفنون الحياكة، وبالرّغم من أنّه “قديم جدًا” تقنيًا إلاّ أنّه يضمّ مجتمعًا واسعًا من هواة الحياكة والكروشيه والتريكو، آلاف الباترنز المجانية، وأنشطة حماسية عديدة.

هذا العام اشتركتُ بنشاط عنوانه “The 2015 BAM CAL” فكرته باختصار هو حياكة ٣ وحدات – مربّعات – بالكروشيه شهريًا، بحجم ١٢ إنش لمربّعين، أمّا الثالث فهو عبارة عن ٤ مربعات مقاس كلّ منها ٦ إنش فتكوّن في مجملها مربّع كبير بمقاس ١٢ إنش.

اشتركتُ متأخّرًا جدًا – في منتصف السّنة – ولذلك عليّ العمل على ما معدّله ٦ مربّعات شهريًا ! لكنّي قررت تنفيذ ٢١ مربّع خلال أقلّ مدّة أستطيعها كي ألحق بالبقيّة على مدى الشّهور المقبلة.

استخدمت خيوط Nature yarn التايوانية، اضطررت للعمل على خيطين في نفس الوقت لأنّها رفيعة مقارنة بالخيوط المطلوبة، اخترتُ الألوان المتوفّرة لديّ وهي ألوان لم أحبّها خلال العمل، أشعر بالنّدم الشّديد لكنّي أستمرّ في المضيّ بما إنّي أريد العمل على هذا المشروع ><

IMG_2015-07-31 21:21:13

ملاحظة: المربّعات غير مكويّة أو جاهزة بعد.

جدير بالذّكر أنّي تعرّفت على المشروع من خلال قناة الرّائعة بنان فلمبان، أحبّك بنان

https://www.youtube.com/user/BananFelimban/videos

تدوين، وأشياء أخرى ..

مرحبًا، مضى وقت طويل منذ آخر مرّة كتبت فيها في مدوّنتي .. طويل جدًا، الأسباب كثيرة، أحدها هو محاولتي المستمرّة في تغيير ما أرغب بكتابته / قوله، لم أعتد على كتابة ما أودّ كتابته، اعتدتُ على كتابة النّصوص الأدبيّة .. ثمّ المقالات الجافّة، والآن أرغب في التدوين والثرثرة، لم يعد مثيرًا للاهتمام أن أنقل آرائي الأخلاقيّة للآخرين، فهي متقلّبة بشكل مملّ ومضجر وباعث على اليأس.

ما أودّ فعله الآن هو أن أدوّن، سواء كانت تدوينات صوتيّة أم مرئيّة أم مكتوبة، وإن كانت التدوينات المكتوبة هي آخر ما قد يثير اهتمامي لأنّها متكلّفة، ومستنزفة، لا أعرف كيف أشرح هذا، الكتابة أصبحت تطلّب منّي جهدًا نفسيًا مضنيًا، لكنّي اخترتها .. لأنّ التدوين الصّوتي والمرئي سيتكلّف منّي إعدادات لا طاقة لي بها، لا أعرف .. ربّما أنتقل إلى أحدهما في المستقبل القريب أو البعيد لكنّي سأكتفي بالكتابة حاليًا.

لماذا التّدوين؟ ما الّذي يختلف التّدوين فيه عن المقالات والنّصوص الأدبيّة؟

بالنّسبة لي، التّدوين عفوي، طارئ، شخصيّ، يخفّف عنّي عبء التكلّف الأدبيّ، وعبء المحافظة على وحدة الفكرة واتّساقها ومدى اقتناعي بها ومدى قوّة الحجج الّتي أستعرضها في حال المقالات الفكريّة، التّدوين هو نقل التّجربة، التّجارب لا تُحاكم أدبيًا ولا فكريًا، التّدوين هو الثّرثرة، والثّرثرة متحرّرة من الواجب.

سأحاول الاستمرار في كتابة ما أودّ كتابته وقوله هنا، لا كتابة ما يتطلّبه الجزء الأكثر تعنّتًا وإرهاقًا منّي، أراكم قريبًا ..

تصالح

عشتُ أعوامًا طويلة وأنا أؤمن بأنّ الطّريقة الأصلح للتّعامل مع الآلام هي قتلها، استخدمتُ كلّ ما يمكنني الحصول عليه من الأسلحة في سبيل قتل كلّ ألمّ يلمّ بي مهما كان صغيرًا.

لقد كنتُ مدلّلة نفسي دائمًا ونادرًا ما أفلتت الآلام من أسلحتي، الآن أفكّر بأنّني كنتُ مخطئة إلى حدّ ما، كان عليّ التّعايش مع بعض الآلام وتركها تستقرّ في نفسي، كان لمبدئ مثل هذا أن يحميني حين لا أجد سلاحًا .. أو حين يصبح السّلاح بين يديّ الآخرين.

أليس السّلام هو الخيار الأفضل للضعفاء؟ لماذا لم أفكّر من قبل في ترك الآلام العصيّة على الموت أن تستعمر قلبي؟ لماذا واصلتُ خوض معاركٍ لا مصلحة لي بها؟ هل هو الخوف من ألاّ تتوقّف هذه الآلام عند حدودها الضيّقة وأن تنتشر حتّى أطرافي؟ أو أن تتراكم واحدة بعد الأخرى حتّى تطفح من مسامات جلدي؟ لماذا لم أختر يومًا التّصالح مع الآلام؟

أحاول تهيّئة نفسي لأسوأ الظّروف دائمًا، حين أكون على كرسيّ طبيب الأسنان أتخيّل بأنّني في غرفة تعذيب في العراق، الطّبيبة لن تكتفي بسحق أسناني بل ستقتلع أظافري أيضًا، لديّ اعتقاد بأنّ اقتلاع الأظافر هو أشدّ آلام الجسد وحشيّة، أحاول أن أفقد قدرتي على الشّعور بالتقزّز مهيئة نفسي للعيش حيث يأكل النّاس الجثث الميّتة وقطط الشّوارع، أحاول دائمًا استحضار مستقبل موحش حيث أضطرّ للركض من منطقة لأخرى شاردة من سكاكين المتطرّفين، أحاول تهيئة نفسي لكلّ هذا لكنّني مطلقًا لم أفكّر بالتّعايش مع آلامي الدّاخليّة.

الانتهاك النّاعم للطّفولة، عارضات انستغرام أنموذجًا

( أحمر شفاهٍ قانِ اللون، فستان أنثويّ ناعم، عدساتٌ ملوّنة، كحلٌ أسود، غنجٌ وقبلاتٌ مرسولة، آلاف المعجبين والمتابعين، وعشرات الحسابات الخاصّة بالجماهير) إنّني لا أتحدّث عن نجمة هوليودية، ولا عن عارضة أزياء، بل عن فتاة صغيرة لم تتجاوز العشر سنوات، “موديل” ومنشدة وراقصة على الطّريقة “الإسلاميّة”، فهي صغيرة لم تبلغ بعد، ومن الظّلم حبسها خارج أسوار الشّهرة والأضواء، كلّ الّذين سيتحدّثون عن الجانب الأنثويّ منها “مرضى” و”أصحاب عاهات”، وكلّ الّذين سيقدّمون النّصائح لأهلها “متخلّفون” لأنّ الأهل “أحرار” في تقديم صورة ابنتهم الصّغيرة بالطّريقة الّتي تتناسب مع مفاهيهم الخاصّة.

عن “العارضات القاصرات” في انستغرام أكتب، وكنتُ قد أخذتُ على نفسي ألاّ أكتب أيّ مقال اجتماعيّ قبل اكتساب المعرفة الحقيقيّة الرّاسخة الّتي تنقلني من الأسلوب الفردانيّ الخاضع لنسبيّة المفاهيم والقيم إلى الأسلوب الموضوعيّ المدعوم بالحقائق والاحصائيّات، لكنّ هذا الموضوع يلفّ كاللعنة حول عقلي ويأبى إلاّ أن أكتب عنه، أجّلتُ ذلك مرارًا متعلّلة كالعادة بأنّني “لا أدري”، لكنّي خلصتُ أخيرًا إلى أنّ النّدم على كتابته إن حدث، فلن يساوي شيئًا أمام النّدم على عدم فعل ذلك.

ظاهرة “الانتهاك النّاعم للصغيرات في انستغرام” تعكس كثيرًا من المفاهيم المغلوطة ذات الجذور العميقة في المجتمع، أوّلها أنّ المجتمع لا يسمّي هذا السّلوك “انتهاكًا”، فانتهاك الطّفولة لدينا يأخذ الشكل المباشر فحسب: الاعتداء الجسديّ، وقليل من الواعين من النّاس يعرفون أيضًا بعض أشكال الانتهاك النّفسي مثل: قتل الثقة في نفس الطّفل، تقريعه بقسوة، احتقاره .. إلخ، لكنّ هنالك نوع من الانتهاك لا يلتفت إليه أحد:

استخدام الأطفال في الحصول على المال، إقحام الطّفل الغرّ في عالم الشّهرة بدون أيّ مراعاة للتبعات النفسيّة المستقبليّة، تعريض الطّفل لتلقّي آلاف التعليقات منها ما هو سلبيّ وفاحش ومؤذي، استخدام الطّفلة الجميلة للتباهي أمام الغرباء ووضعها داخل قالب “الأنثى النّاضجة” لتنتهكها الأعين على اختلاف مراميها.

يتجلى في هذه الظّاهرة الخلل الاجتماعيّ المتعلّق بمفهوم “علاقة الوالدين بأبنائهما”، فالعلاقة هنا علاقة تملكيّة، ولذلك عندما يتقدّم شخص بانتقاد لصورة إحدى الصّغيرات يردّ عليه الكثيرون بـ : “ايش دخلك؟ أهلها الّي يقرروا لبسها”، وكأنّه لا محاسبة لهذين الأبوين عندما يرتكبان أو يسمحان بارتكاب خطأ ضدّ أطفالهما، فالوالدين معصومين عندما يتعلّق الأمر بالأبناء – ليس على مستوى الأطفال فحسب – لا يوجد أيّ عرف اجتماعيّ أو قانون صريح يحمي الأبناء ممّا يرتكبه الوالدين اللهمّ إذا استثنينا على استحياء العنف الجسدي.

المنطق الآخر الّذي يستخدمه منظّموا الفرق الإنشاديّة والمصوّرون والأهالي هو منطق “الدّين”، وهو منطق يحوّل المسائل الأخلاقيّة إلى مسائل ذات بعد واحد فقط: الحلال والحرام، فظهور صورة لطفلة صغيرة حلال، والموسيقى حرام، وصوت الفتاة البالغة حرام، فتنتشر فيديوهات لبناتٍ صغيرات يضعن المكياج ويتغنجن ويرقصن على أناشيد بلا موسيقى، وماذا في ذلك؟ حرام؟ إنّ الّذي يعتقد بأنّه من المحرّم أن ترقص فتاة في هذا العمر أمام النّاس هو شخص ولا شكّ مصاب بالـ “البيدوفيليا”، أمّا الأشخاص الأسوياء فيستحيل أن يتفهّموا هذا الرّفض.
يقودني هذا إلى التأمّل في مفاهيم “الحلال والحرام” داخل عقول النّاس، بالنّسبة للكثيرين نجد أنّ ما يجعل الفعل حلالاً هو علّة متّصلة بالفعل ذاته، لا للموقع الأخلاقيّ للفعل، فطالما اتّفق العلماء أو بعضهم على أنّ الأمر حلال، فبغضّ النّظر عن كون هذا الفعل جيّد أم سيء فهو حلال، أيّ أنّ الأمر أشبه ما يكون بالكاتلوج الأخلاقيّ الجامد، تُحفظ تعليماته دون النّظر إلى مقاصده ودون التّفكير في عواقبه.
.
.
كنت قد نشرتُ قبل عامين أو تزيد مقالين بعنوان “هل تؤدّي لي جريمة بسيطة مقابل ٢٠ دولارًا؟”، تحدّثت خلالهما عن صناعة المجرم، وذكرتُ بأنّ النّاس يعتقدون بسذاجة أنّ الإنسان يرتكب جريمته لأنّه خُلق “مجرمًا” بمعزل عن ظروفه وبيئته، غير أنّ الحقائق تؤكّد أنّنا جميعًا دون استثناء معرّضين لأن نكون مجرمين.

حينما يعلّق مراهقٌ أرعن بأسلوب غير لائق على صورة طفلة صغيرة تتوجّه الأصابع إليه: مريض، حقير، حيوان .. غير أنّ النّاس تنسى بأنّها تساهم في حقن هؤلاء الشّباب بالانحرافات الجنسيّة حين تعرض صور هؤلاء الصغيرات داخل قالب أنثوي متغنّج أمام الآخرين على اختلاف وعيهم وإدركهم وصحّتهم النفسيّة، لا أقول مطلقًا بأنّ الإنسان لا يؤاخذ على كلامه، فكلّ نفس بما كسبت رهينة، ولكنّني أؤمن بأنّ أفراد المجتمع يحملون مسؤولية عالية في حماية بعضهم البعض من الوقوع في الخطأ.

ومن الغريب جدًا أن نعيش في مجتمع تُعزل فيه الصّورة الفيزيائيّة للمرأة النّاضجة بشكلٍ مبالغ فيه، وتنتشر فيه في الوقت ذاته الصّورة الفيزيائيّة لصغيرات قاصرات، ممّا يعني ببداهة تحوّل الانجذاب والتّركيز عليهنّ، فمع مرور الوقت أصبحت هؤلاء القاصرات نجوم ونماذج و”موديلات” الجمال في المجتمع الافتراضي والواقعي، وأصبحن يشكّلن نسخة مشوّهة من عارضات الأزياء البالغات في المجتمعات الأخرى، يحاول ذووهنّ إشراكهنّ في الأنشطة الخيريّة، يمثّلن الصّورة المثالية أمام الجماهير “العاشقة” ويكتبن عن أذكار الصّباح والمساء والفضائل الدّينيّة و و و غير أنّ الحقيقة هي أنّ المادّة الأولى الّتي تُقدّم وراء كلّ هذا: صورة جميلة لطفلة قاصرة.

ليس هذا فحسب، بعض هؤلاء القاصرات يُستفاد منهنّ في الحصول على المال من خلال الإعلانات الّتي يرتدين فيها أزياءً لمصممّة مشهورة أو أطواق ورد لمتجر من انستغرام، وهذا برأيي لا يختلف عن أيّ استغلال آخر للحصول على المال من خلال طفل، ولكن وكما يذكر عنوان مقالي: إنّه استغلال ناعم، وانتهاك ناعم .

هل أقول بأنّ على النّاس أن يخفوا صور صغيراتهم عن أعين الآخرين؟ لا، لا أقول ذلك إطلاقًا والّذي يعتقد هذا لم يدرك شيئًا من مرمى المقال. لأكون صريحة فلو كنتُ أمًّا لما نشرتُ صورة لطفلتي إطلاقًا على شبكة الإنترنت، لماذا؟ لأنّ الصّورة حين تُنشر هنا فإنّها لا تصبح ملكها، بل ملك الآخرين، وأنا لا أعرف كيف سيستخدم الآخرون هذه الصّورة، وكيف سينظرون إليها، لذلك لا حقّ لي في تعريض طفلة بريئة لحواسّ غير بريئة عن غفلة منها.

حين تنشر فتاة بالغة صورها فهي على إدراك تامّ بما سيترتّب على هذا النّشر، وعدم الإدراك هنا “حماقة”، أمّا الطّفلة الصغيرة لا تدرك شيئًا من هذا، إنّها تجد آلاف المعجبين فتفرح، وإذا قرأت تعليقات سلبية، فإمّا أن تتأذّى بشدّة أو لا تفهم، لكنّي من جديد لا أعترض في مقالي عن نشر صور الصغيرات برمّته، بل عن وضعهنّ داخل قالب ناضج وأنثويّ، فإذا أردتِ وضع صورة لطفلتك فضعي صورةً لـ”طفلتك”، لا صورة لطفلة مشوّهة ترتدي قناع الأنثى اللعوب.
…………………………………………..
أولادكم أمانة الله، فلا تخونوا الله في أمانته

عن الحجاب، حديث مطوّل ..

وصلني هذا السّؤال على Ask.fm، وبما أنّ الموضوع كبير ومتشعّب، آثرت الحديث عنه في مدوّنتي هنا :

ايش فلسفة الحجاب في رأيك؟

 

سؤال جميل، لا أستطيع القول بأنّي أمتلك فلسفة أو نظرة كاملة عن الحجاب، ما زلت أحلّل الموضوع كثيرًا في ذهني، ولعلّي أجيب بما أنا مقتنعة به الآن، أولاً، ثابتٌ لديّ أنّه لا بدّ من احتشام المرأة، ولستُ مع أولئك الّذين يضعون حشمتها في ذات الصفّ مع احتشام الرّجال، لأنّ تأثير المرأة على الرّجل لا يُقارن مطلقًا مع تأثير الرّجل على المرأة وإن وُجد هذا الأخير حتمًا .

١) نحن نكرّر بأنّ النّساء فتنة الرّجال، لكنّ الذي يغيب عن أذهاننا هو أنّهن فتنة أنفسهنّ أيضًا، فالمرأة غالبًا “يغريها” أن تكون جميلة أكثر ممّا يغريها النّظر لرجلٍ جميل، وتمام جمال المرأة أن يعتقد ولو رجل واحد تحبّه بأنّها جميلة، والمرأة الّتي لا تجد هذا الرّجل ستشعر دائمًا بحاجة مؤلمة مفهومة أو غير مفهومة في داخلها، وقد تجد المرأة هذا الرّجل ولا يكفيها، ولا يكفيها حتّى أن يعتقد آلاف الرّجال بأنّها جميلة، مثلما لا يكفي بعض الرّجال النّظر لآلاف الجميلات، ولا يهمّني إن سمّى الآخرون هذه تبعية، ولا يهمّني إن حاول البعض إقناعي بأنّ جمال المرأة منفصل تمامًا عن الرّجل، أنا مقتنعة بما أقوله ولا أراه يحطّ من قدر المرأة إطلاقًا .

إذًا، لدينا هنا المعادلة الأزليّة الصّعبة، لعبة القطّ والفأر، المرأة الّتي تحتاج لأن تبدو جميلة، والّرجل الّذي يحتاج النّظر إلى المرأة الجميلة، ما يحدث في مجتمعنا هو أنّنا نتفهّم حاجة الرّجل أكثر من اللازم، وبديهيّ بالنّسبة لنا أن يُصرع الرّجال أمام فاتنات الإعلام دون أن نرى فيه عيبًا، وحتّى إن كان بعضنا يؤمن في داخله بأنّ النّظر للنساء محرّم، فنحن نعذر الرّجال جدًا في هذا، بل ربّما ألقينا كلّ اللوم على فتاة محجّبة لفتت انتباهه، حسنًا ماذا عن حاجة المرأة لأن تكون جميلة في عينيّ رجل؟

في مجتمعنا هذه الحاجة مقموعة – ضمن حاجات كثيرة غير معترف بها أصلاً – قبل الزّواج، الفتاة الّتي تُعبّر بأيّ شكلٍ عن هذا الاحتياج سواء كان تعبيرًا ظاهرًا أم باطنًا سوف تُوصف بأسوأ الأوصاف وسوف يتمّ اعتبارها “فتاة سيّئة الخلق”، بل إنّ الفتيات أنفسهنّ يحاولن إنكار هذه الحاجة بشدّة لأنها تشعرهنّ بالمهانة والدونيّة، أمّا بعد الزّواج فقد تُشبع المرأة هذه الحاجة وقد يزداد الأمر سوءً مع زوج لا يُقدّرها ولا يحترمها ولا يحترم شعورها .

أنا لا أقول بأنّ من حقّ الفتيات أن يغوين الرّجال في الشّوارع طبعًا، لكنّي أقول بأنّنا بحاجة إلى منظومة خُلقية أكثر استقرارًا وأكثر إنسانيّة وأكثر مراعاة لنفسيّة المرأة، لأنّ غياب هذه المنظومة هو أحد أهمّ الأسباب الّتي تؤدّي لانحراف الفتيات وخروج رغباتهنّ الداخليّة عن السّيطرة، وقيل قديمًا: إذا أردت أن تُطاع، فأمر بما يُستطاع .

الثقافة الّذي تسمح للشّباب في كلّ مكان بالحديث عن جمال الممثلات والمشهورات دون حدود، لا تلزم الشّابّ بغضّ البصر ولا تعطي لهذا الغضّ قيمة أصلاً لكنّها تجبر المرأة على تغطية وجهها وجسدها تمامًا بقماش أسود وتعتبر من خلعت الحجاب في النّار هي ثقافة غير متوازنة إطلاقًا، ومن الطّبيعي أن تنتج فتيات حاقدات وحانقات عليها وعلى الدّين وعلى الحجاب وعلى المجتمع وعلى الشّباب حتّى .

 

 

٢) هناك سؤال مهمّ يشغلني عن الحجاب الآن: لماذا فشل الحجاب فيما شُرّع له؟ أعني، ألم يكن من المفترض أن يحمي الحجاب الشّباب والفتيات من الوقوع في الخطأ؟ أن يكون وسيلة للتعفّف؟ لماذا لم يفعل الحجاب ذلك؟ هل كانت الأمور دائمًا هكذا وستستمرّ هكذا إلى الأبد؟ أعني، ربّما كان من اللا جدوى محاولة بناء مجتمع صالح، حسنًا .. أنا لا أفكّر الآن بمجتمع صالح، كلّ ما أفكّر به هو مجتمع متّسق مع نفسه فقط، لماذا هذا العدد الجنونيّ من الحسابات الإباحيّة في تويتر الّتي تعرض فيها الفتيات كلّ جزء من أجسادهنّ باستثناء وجوههنّ؟  لماذا لدينا نسبة كبيرة من التحرّش وحتّى الاغتصاب على مستوى المدارس والعائلات؟ لماذا ينتشر لدينا الشذوذ العاطفيّ بين الفتيات لهذا الحدّ؟ ما الخطأ الّذي ارتكبناه لسنوات طويلة فأفضى إلى هذا المجتمع الّذي تكاد تحسبه ملائكيًا من السّطح ثمّ تتفاجئ بعفونة القاع !

ربّما تكون المشكلة في كوننا نتعامل مع أداة الحجاب كحلّ سحريّ، بينما الحجاب هو جزء بسيط من منظومة أخلاقيّة كبيرة، وأنا لا أعني بالحجاب هنا غطاء الشّعر فحسب، وإنّما احتشام المرأة بالجلباب أو العباءة أيضًا .

هناك الكثير من المقوّمات الّتي تحمي المجتمع بمنأى عن الغرق في هذا النّوع من الفساد – أقول الغرق لأنّني أؤمن بأنّه لا يمكن حماية المجتمع من الفساد إطلاقًا – هذه المقوّمات مثل:

١. تقوى الفرد وورعه الدّاخلي.

٢. علاقة الانتماء بين أفراد المجتمع.

٣. القانون.

٤. الاحتشام.

٥. مساحة تحقيق الحاجة الفطريّة.

وغيرها، هي مقوّمات تكمّل بعضها البعض، لا يمكنني مثلاً الاتّكال على ورع الفرد وأن أهمل القانون، أو أن أضع قانونًا حاسمًا ثمّ أترك للجميع – نساءً ورجالاً – الحرّية المطلقة في الملبس العام .

ما يحدث لدينا هو أنّنا أهملنا كلّ المقوّمات الأخلاقيّة، وعلّقنا الحجاب وحده على رقاب الفتيات !

 

 

٣) دائمًا ما أسأل نفسي: لماذا كان لغطاء الشّعر هذه الأهميّة في جميع الأديان؟ لأكون صادقة، أهميّة غطاء الشّعر تأتي في درجات متأخّرة بالنّسبة لي، لو كنتُ فتاة غير محجّبة لارتديتُ العباءة أولاً ثمّ فكّرتُ بغطاء الشّعر متأخرًا، لا أقصد وضع نفسي كمعيار لكنّني سُئلتُ عن “فلسفتي” عن الحجاب وعليه أجيب من خلالها .

أشعر بأنّ غطاء الشّعر أعطي حجمًا أكبر من حجمه الحقيقيّ على مستوى العالم كلّه، حين تتحوّل فتاة إلى الإسلام، أو حين تقرّر فتاة مسلمة ارتداء الحجاب، فإنّها تبدأ بغطاء الشّعر، وقد ترتدي في الوقت نفسه ملابسًا ضيّقة أو فاتنة .

ربّما لأنّه كثيرًا ما يتحوّل الحجاب إلى هويّة دينيّة أكثر من كونه وسيلة لاحتشام المرأة، هويّة يُلوّح بها ضدّ الهيمنة الأجنبيّة، فعلى مدى سنوات طويلة كان الحرب على الحجاب هو جزء من الحرب على الهويّة الإسلاميّة أو العربيّة، فلطالما حارب المستعمر الأجنبيّ الحجاب، ولطالما تعرّضتِ المسلمات في البلاد المستعمرة أو حتّى في بعض البلدان العربيّة العلمانيّة إلى محاولات مستميتة لدفعهنّ لخلع الحجاب، ضمن ما تعرّضت له تلك الشّعوب من محاولات لطمس الهويّة واللغة والثّقافة والدّين.

فالحجاب هنا هو هويّة ثائرة، تمامًا مثلما أنّ خلع الحجاب في البلدان الّتي تُجبر الفتاة على ارتدائه قهرًا هو ثورة من نوع آخر !

 

 

٥) احتشام المرأة نسبيّ إلى حدّ ما، أعني بـ“نسبيّ” أنّه خاضع للزمان والمكان، وأعني بـ “إلى حدّ ما” أنّه ليس نسبيًا على إطلاقه، فعند نقطة ما، يتّفق جلّ النّاس على اختلاف ثقافاتهم على أنّ هذا المظهر مثير لغرائز الرّجال .

كثيرٌ من النّاس اليوم يجدون في مرور امرأة شبه عارية في شارع أمريكيّ دون أن يلتفت إليها أحد شيء مثير للإعجاب ويسهبون في امتداحه، غير أنّني شخصيًا لا أصدّق وجود شيء كهذا، ولو وُجد لما تقبّلته ولا وجدته سلوكًا سويًا .

اعتياد الرّجال المفرط على أجساد النّساء المكشوفة هو أمر غير طبيعيّ وغير صحّي، لا أقصد – طبعًا – بأنّه من الطّبيعي أن يكون الرّجل حيوانًا، لكنّ رجلاً اعتاد النّساء إلى هذا الحدّ يخسر جزءً لا يُستهان به من متعة النّظر إلى تفاصيل امرأته الخاصّة، وهذه هي مأساة الثّقافة المسرفة : الاعتياد .

يحدث كثيرًا أن أشاهد صورًا تقارن بين امرأة ترتدي فستانًا ضيّقًا أو ملابس قصيرة في بلاد أجنبيّة والرّجال مشغولون بحالهم لا يلتفتون إليها، وبين امرأة محجّبة من رأسها حتّى أخمص قدميها وهناك من يتحرّش بها في بلاد عربيّة، ولطالما كان لديّ تعليق على سطحيّة وجهل هذه المقارنة.

لا شكّ أنّ قانون التحرّش يلعب دورًا مهمًّا في حماية المرأة، أنا لا أحمّل المرأة مسؤولية أن يعتدي عليها شخصٌ آخر، لكن تقديم الأمر بهذه المقارنة هو أمر غير منطقيّ ولا عقلانيّ مطلقًا، لأنّها صورة لا يمكن تعميمها على الغرب أو الشّرق.

فمثلما تحمّل الثقافة العربيّة المسؤولية كاملة على ظهر المرأة، فالثّقافة الّتي تترك للنّساء الحرّية المطلقة وتطالب جميع الرّجال على اختلافات أعمارهم وقدراتهم وأحوالهم النّفسيّة بضبط النّفس هي ثقافة غير إنسانيّة تحمّل كثيرًا من الرّجال أكثر ممّا يقدرون عليه، وتفضي إلى مجتمع غير سويّ ومضّطرب.

كما أنّ في تحميل الرّجل كامل المسؤولية في ضبط النّفس إنكار لغريزة وطبيعة المرأة الّتي ترغب بالجنس الآخر وترغب في جذب انتباهه، فالمرأة ليست الضّحيّة دائمًا، فهي شخص مسؤول كذلك عن ضبط رغباته.

 

 

أخيرًا، كانت هذه أفكار نقلتها بصوت عالٍ أكثر من كونها مبادئ محسومة مطلقًا، ما زال موضوع “الحجاب” أحد أكثر المواضيع الّتي تشغل تفكيري وتحليلي، ولعلّ تعليقًا أو نقاشًا ممّن يخالفني الرّأي يضيف لي الكثير فلا تبخل به عليّ