حبل غسيل، عن المسرح الارتجاليّ

كنتُ قد قرّرتُ يوم الجمعة الماضي بأن أقضي الليلة في المنزل متنزّهة بين الكتب المؤجّلة، المشاريع المؤجّلة، والدّروس المؤجّلة، لكنّ إحدى صديقاتي أخبرتني بأنّ قناة سين تقيم مسرحيّة كوميديّة في النّادي الأدبيّ في الدّمام فقرّرتُ الذّهاب لحضورها، لا حبًّا في المسرحيات الكوميدية، ولكن لعدم توفّر فرصة أخرى لمشاهدة مسرحيّة دراميّة أو موسيقيّة مثلاً.

قمتُ بحجز التّذكرة عن طريق واتس آب، وهذا غريب جدًا بالنّسبة لي، تتوفّر تطبيقات ومواقع كثيرة تقدّم خدمة حجز التذاكر للأحداث والفعاليات فلماذا يستخدم الشّباب هذه الطّريقة غير الاحترافية للحجز؟ ثمّ أنّهم أخبروني – وبطريقة كوميديّة – بأن أحضر قبل موعد المسرحية بساعة كاملة وإلاّ فإنّ التذكرة قد تذهب لغيري، لماذا تكلّفوا عناء حجز التذاكر إذا كانت قد تُلغى دون علم الحاضرين؟ هل وفّروا تذاكر للحجز أكثر من عدد الكراسي المتاحة وضمنوا بهذه الطريقة أن يخلوا مسؤوليتهم في حال حضر عدد أكبر من الحضور؟ أعرف بأنّ عددًا كبيرًا من النّاس قد يٌلغي حضوره دون إخطار للجهة المسؤولة وهذه مشكلة، لكنّ الحلّ ليس في استخدام طرق غير احترافية للحجز، بل بالبحث عن الحلول الّتي أوجدها أو اخترعها من مرّوا في نفس المشكلة من قبل، مشكلة تنظيم الفعاليات.

عندما وصلتُ المكان شككتُ في البداية بأنّه هو جهتي المقصودة، المدخل ضيّق ومزدحم والمبنى محزن، عندما دخلتُ قلتُ لنفسي بأنّ هذا البناء الصغير أضيق من أحلام الشّباب وطموحاتهم وإمكانيّاتهم، أضيق من الحاضرين العطاشى للفعاليات الفنّية، أضيق منّي أنا وأضيق من كلّ المعلّقة صورهم على الجدران، ثمّ استطرت: ولكنّه موجود على الأقل، وهذا يكفي الآن.

وصلتُ مبكرًا بالطبع، وكنتُ أفكّر : كيف سأقضي وقتي قبل بدء المسرحية؟ لم يكن لديّ ما يكفي للتفكير بالإجابة فقذ صعد على مسرح خارجيّ صغير أحد الشّباب وقدّم لنا شابّين استعراضيين، يقدّم أحدهما ألعاب الخفّة والخديعة ويتقن الآخر فنّ Ventriloquism أو التحدّث من البطن، وعلى الرّغم من أنّني شاهدتُ عروضًا مشابهة جدًا لكلا العرضين إلاّ أنّني أحببتُ احترافية الشّابّين وأحببتُ حضورهما وأحببتُ البهجة الّتي عمّت الجمهور.

المسرحية :

قبل بدء المسرحية بدقائق كنتُ أشعر بالإحباط فالفتيات حولي يتحدّثن بصوت عال، بدأت المسرحية بعزف موسيقيّ أذهلني، كنتُ مأخوذة بالنّاي وبالقيتار، ومع ذلك استفزّتني جدًا الجوّالات المرفوعة أمامي والأصوات العالية، ليست لديّ أدنى مشكلة في توثيق اللحظات الحلوة، لكنّ رفع الأجهزة إلى الأعلى يعيق البقيّة عن الرّؤية والاستمتاع وهذا مزعج جدًا.

لم أكن ملمّة بفكرة المسرحية، أخبرتني صديقاتي بأنّها مسرحية ارتجالية يؤثّر فيها الجمهور على مسار القصّة، لكنّني لم أفهمها بشكل واضح إلاّ حين بدأت.

مسرحية “حبل غسيل” تنتمي لنوع من الفنّ الارتجالي improvisational theatre حيث الممثّلين والموسيقيين يصعدون على المسرح دون تخطيط مسبق لما سيقدّمونه، وهو فنّ قديم جدًا تمّ استحداثه، ففي الماضي كانت الفنون بسيطة وشعبية ومرتجلة غير خاضعة لسطوة  المدارس الفنّية وللكاتب والمخرج والسيناريست، وفي بداية القرن العشرين راجت المسرحيات المرتجلة كأسلوب تدريبيّ للأطفال على الدراما والتعبير والتمثيل.

يميّز المسرح الارتجاليّ الحديث بأنّه تفاعلي مع الجمهور، فهو من يقدّم الفكرة إمّا عبر كتابتها في صندوق اقتراع قبل بدء المسرحية، أو عبر رمي الكلمات العشوائيّة أثناءها أو – كما في مسرحية حبل غسيل – عبر سماع الأفكار مباشرة من الجمهور ومن ثمّ تنفيذها بأسلوب كوميديّ خاصّ بالممثلين فكرة فكرة.

تفاجأتُ جدًا جدًا من مستوى الممثلين الاحترافي، فأثناء جلوسهم على الكراسي قبل بدء المسرحية يظهرون وكأنّهم قد بنوا جدارًا بينك وبينهم، لم أتمكّن من عبور ذلك الجدار إلى مخيّلتهم أو مشاعرهم أو أفكارهم، لكنّهم ما إن ينهضوا من مكانهم متّجهين إلى حبل الغسيل حيث يختارون ملابس الشّخصية حتّى يتغيّرون تمامًا، يبدون لك وكأنّهم نزعوا جلودهم الجادّة واستبدلوها بجلود تنشر فقاعات من الضّحك، لقد ضحكتُ كثيرًا حتّى سقطتُ من الكرسي ولم أكن أتوقع هذا أبدًا أبدًا، حيث من النّادر أن تضحكني مثلاً كوميديا اليوتيوب السعودي.

بالإضافة إلى الممثلين، برع العازف ماجد السّيهاتي في ارتجال موسيقاه بشكل أخّاذ وفاتن، ما يفتنني حقًا هو براعة هؤلاء الشّباب رغم عدم توفّر معاهد أو منشآت داعمة ممّا يعني – ربّما – أنّهم بذلوا جهدًا مضاعفًا لإتقان حرفتهم.

لكنّ مهارة خلق النّص لا تعادل مهارة التمثيل لديهم فهم أضعف في خلق الكلمات، لا أقول بأنّ مستواهم سيّء ولكنّ مستواهم في التمثيل أعلى من مستواهم اللغوي، ولهذا إن كانت لديّ نصيحة لهم فهي: اقرؤوا واسمعوا وتلقّوا الكثير من المصادر النّصية كي تُثروا لغتكم ويصبح لديكم مخزون هائل تستطيعون الاستفادة منه في عروضكم المقبلة.

من جديد أحببت المسرحية كثيرًا وأنوي إن شاء الله حضورها يوم الخميس القادم وأتمنّى أن تدهشني بشكل أكبر ممّا فعلت أوّل مرة.

عندليب ياني

 

أحبّ مقطوعة Nightingale لياني كثيرًا، أحبّ أداءها تحديدًا في حفلة Tribute الأسطورية عام ١٩٩٧، وأظنّ بأنّ بعض أصدقائي يقرأ الآن عنوان هذه التدوّينة وهو يقول : ما زلتِ عالقة هنا يا إحسان؟ ألم تغيّرك كلّ الموسيقى الّتي استمعتِ إليها؟ نعم، ما زلتُ عالقة هنا منذ ١٠ سنوات، ما زال الأثر الّتي تحدثه بي هذه المقطوعة كما هو لم يتغيّر وكأنّي أسمعها للمرّة الأولى .

استلهم ياني هذه المقطوعة من صوت طائر كان يغنّي أمام نافذته عند كلّ شروق للشمس، كان للطائر كما يعبّر ياني مفرداته وألحانه وإيقاعاته، فكّر ياني وقتها بأنّه من المثير للشفقة بأنّنا لا نفهم لغات بعضنا البعض، وبعد عدّة سنوات لمّا استمع ياني لصوت الناي الصّيني اكتشف بأنّ هنالك سمات شخصيّة مشتركة بينه وبين ذلك الطّائر، فقرّر كتابة مقطوعة للنّاي الصّيني باسمه: العندليب.

يتميّز النّاي وآلات النّفخ عمومًا بأنّ الإنسان ينفخ فيها من روحه، وفي هذه المقطوعة يضع العازف الفنزوليّ العبقريّ Pedro Eustache من روحه الكثير، ففي بداية المقطوعة يبدو صوته وكأنّه يحكي تاريخه للآخرين برباط جأش، ثمّ لمّا يبدأ بالبكاء يعزّيه البيانو متبوعًا ببقيّة الآلات لتتحوّل المقطوعة إلى حوار شجيّ بين النّاي وبين الجوقة الموسيقيّة، فهي تشاركه الشجن تارةً، وتتلطّف معه تارة، وتخبره بأن يتوقّف عن المبالغة تارة أخرى.

وعند الدقيقة الخامسة تتفرّد عازفة الكمان كارين بريغز بحوار خاصّ مع عازف التشيلّو أليكسندر زيروف، وأنتَ لا تسمع فقط تفاصيل الحوار وتحسّ به في روحك ولكنّك تراه رؤيا العين أيضًا في تعابير وجهيهما، ومن خلال هذا الحوار يبدأ توحّد أخّاذ ومدهش وساحر بين جميع الآلات بما فيها النّاي، هذا التوحّد المرتفع الإيقاع يبعث القشعريرة وتجربةً شعوريةً لا تُوصف وكأنّ هذه الآلات اتفقت في مشاعرها وآلامها وأفراحها وشجونها ووجودها.

تنتهي المعزوفة كما بدأت بعزف منفرد للنّاي الصّيني، ولكنّك هذه المرّة تحسّ بالعندليب وقد انتهى من أغانيه وقرّر الرّحيل والطّيران.

.

.

لم يستمرّ ياني بالاعتماد على صوت النّاي الصّيني في نسخ أخرى لمقطوعته، بل استبدله بصوت المغنية الأمريكية Lauren Jelencovich المتخصصة في غناء الـ soprano وهو لون غنائيّ يعتمد على الوصول إلى أعلى طبقات صوت المرأة – بحكم أنّ باستطاعة النّساء الوصول إلى درجات مرتفعة من الصّوت أكثر من الرّجال بسبب رقّة أوتارهنّ الصّوتيّة -.

بدأت لاورين بمرافقة ياني في جولاته منذ عام ٢٠١٠ وأذكر جيدًا أنّني لمّا استمعتُ إلى المقطوعة حينها في التّسجيل أعلاه شعرتُ بخيبة أمل شديدة وحزن عميق وكأنّني فقدتُ إلى الأبد إحدى أحبّ الظواهر الكونيّة لي : عزف Pedro Eustache للناي الصّيني في مقطوعة العندليب .

لستُ وحدي من يستشعر عظمة أداء بيدرو، يُقال بأنّ ياني لم يستبدل النّاي الصّيني بصوت بشري إلاّ لأنّ بيدرو توقّف عن الذهاب معه في جولاته بسبب حفلاته وأنشطته الخاصّة، ولمّا لم يجد ياني بديلاً حقيقيًا له استبدله بصوت لاورين، وسواء أكان هذا صحيحًا أم لا فإنّ حضور الفكرة وحدها يدلّ على فرادة بيدرو وعبقريته.

 

رسائل ..

إلى سارة :

كنت أقرأ لك اليوم وأقول لنفسي، أكره المتشائمين جدًا، والمتفائلين جدًا، وأحبّ سارة، ثمّ أردفت: سيكون لسارة شأنٌ ما أنا متأكدة، وضحكت، لأنّني وقفتُ موقف الشامان، أو العرّاف المتغطرس كثير الهذرة.

تعجبينني يا سارة، أنتِ أوّل واحدة من نوعك تعجبني، ربّما أنت فريدة من نوعك أيضًا، متّزنة بشكل قد يجعلك تبدين عاديّة غير مثيرة للاهتمام، ينجذب النّاس للمتطرّفين عادة، الّذين يحملون آراء صادمة غير متوقعة، الّذين يخبرونهم بما لم يتوقّعوا سماعه، لكنّك لستِ كذلك، أنتِ هادئة غير منفعلة لكنّك متحمّسة أيضًا، وأنتِ لا تتّخذين موقفًا أحاديًا للأشياء، حين تنزعجين يبدو انزعاجك لي مركّزًا وعقلانيًا لا مجرّد انفعال شخصيّ، تريدين أن تتعلّمي بصدق، وعلى استعداد عفويّ لتغيير آراءك وتصحيح معلوماتك، وفوق كلّ هذا، أنتِ لستِ – كالكثيرين – مجرّد ردّة فعل، أنتِ فعلٌ قائم على ذاته.

أحبّ الكتب الّتي تقرئينها، والـpodcasts الّتي تستمعين إليها، وأحبّ بهجتك ونشاطك وحركتك المستمرّة، وأحبّ أنّك متدرّبة كارتيه، وأحبّك جدًا.

(٤ ) أطفال من أجل الحرّية

children

كان صباحًا عاديًا وروتينيًا، كما أحبّه تمامًا، تناولنا طعام الإفطار بهدوء، تحرّكنا ببطئ مثلما نفعل دومًا وكأنّ العالم لا يلاحقنا، أو كأنّنا قرّرنا التمرّد على عصر السّرعة، ثمّ غادرنا متفرّقين إلى وظائفنا.

على غير عادتها الهوجاء،كانت حركة السّير هادئة، هادئة وبطيئة مثلنا، أخرجتُ رأسي من النّافذة، مذاق الهواء في أنفي غريب، ليس مستهجنًا ولا مرًّا ولا حلوًا، غريب فقط، وضعتُ حزام الأمان الّذي كنت قد نسيته، ورحتُ أتصفّح موقع Reddit على هاتفي المحمول.

فوجئتُ بالعديد من المقالات والصّور والفيديوهات الّتي تتحدّث عن ثورة عالميّة مهيبة، ثورة لم أتوقّعها أبدًا، الأطفال ينتفضون، في ما يشبه ثورة سلميّة، سلميّة جدًا، تويتر ويوتيوب وجميع الشّبكات الاجتماعيّة مشغولة بالحديث عن هذه الثّورة، الأطفال هم محورها، هم فلاسفتها ومنظّريها وصنّاعها، ما الّذي حدث بحقّ الله في هذا الأسبوع؟ سألتُ سائقي بفضول : هل تعرف أنت أيضًا عن ثورة الأطفال هذه؟، – آه يا مدام، لقد غرّر هؤلاء الشياطين بابن أختي، إنّه طفل لطيف وخجول لا يتجاوز الحادية عشرة، ولكنّه انضمّ إليهم، لا أعرف كيف، وهو غائب عن المنزل الآن ولا نعرف أين هو، لكنّنا شاهدناه في فيديو في يوتيوب، يقف إلى جانب أولئك الملاعين !

انتقلتُ بحماس إلى تيليغرام، مباشرة إلى مجموعة صديقاتي: – بنات ما هذا الجنون ! إنّني أقرأ في كلّ مكان عن ثورة الأطفال، حتّى أنّ ابن أخت سائقي انضمّ إلى تلك الثّورة !

– واو يا إحسان، إنّه أمر عظيم ومثير للتأمّل! لم أتخيّل أن يحدث هذا أثناء حياتي!

– صدّقوني إنّهم مجرّد صبية يحتاجون إلى تأديب، يثورون على من؟ على أمّهاتهم اللّواتي أرضعنهنّ وغيّرن لهم الحفائض أم على آبائهم الّذين اشتروا لهم تلك الحفائض البائسة؟

– إنّه أمر مضحك بالفعل! لا تزال تلك الحفائض مبتلّة في قمامة ما !

– لكنّي لم أفهم على ماذا يثورون بالضبّط؟ إنّ أقوالهم متخبّطة وهزلية ومتناقضة أيضًا، آه الأطفال أطفال في النّهاية.

– من الطّبيعي أن تكون أقوالهم متناقضة، لقد خرج الآلاف في هذه الثّورة، بديهيّ أن يحملوا أفكارًا مختلفة.

– آه إحسان أرجوك! هل أنت متحمّسة معهم؟ لا تقولي ذلك! هذا أمر هزليّ! نكتة!

– حسنًا إنّه أمر مثير للاهتمام وهو يذكّرني كثيرًا بثورة النّساء المعاصرة ..

عند تلك النّقطة، وصلتُ مقرّ عملي، لم أشئ أن أناقش أحدًا هناك في هذا الموضوع، على الأرجح أنّه ذو حساسيّة سياسيّة وأنّه سيجرّ خلافات مزعجة، لكنّ هاتفي لم يتوقّف عن إرسال التنبيهات، لقد وصلتني عشرات النّكات والصور الهزلية، ورسالة توعوية تكرّرت بشكل مزعج تتلخّص في دور اليهود القديم في تلك الثّورة، ورسائل تربويّة مملّة تتمحور حول حماية الأطفال من الأفكار الهدّامة.

وضللتُ طيلة النّهار أفكّر في تلك الثّورة، لم أقرأ تفاصيلها بدقّة بعد، ولكنّني بقيتُ أتخيّل تبعاتها المستقبليّة، لقد ثارت العديد من الشّرائح في الماضي وانتصرت جزئيًا، ثمّ الآن بعد كلّ تلك السّنوات، أصبحت حقوق تلك الفئات معترف بها بل وبديهيّة أحيانًا، ماذا عن الأطفال؟ ماذا لو انتصرت ثورتهم؟ هل ستتغيّر الأمور كما يحلمون بها إلى ذلك الحدّ؟

في طريق عودتي من العمل، تصفّحتُ باث علّي أجد مصادر سريعة تلخّص لي مطالب الثوّار الصّغار.

وجدتُ العديد من الأصدقاء يشارك فيديو في ٨ دقائق على يوتيوب يقرأ فيه طفل في بداية مراهقته بيانًا رسميًا ممّن أطلق عليهم ” أطفال من أجل الحرّية “، ركّز البيان على رفضهم الشّديد لمصطلح “قاصر”،  قال الطّفل المتحدّث بأنّ الأكبر سنًّا اخترعوا هذا المصطلح للهيمنة على من هم أضعف منهم والتحكّم بهم، إنّهم يدّعون حمايتهم ولكنّهم يفعلون العكس باستمرار، يقتلونهم في الحروب، يستعملونهم حتّى الموت في مزارع الكاكاو ومصانع الأجهزة الالكترونيّة، أو يزجّون بهم في مدارس معلّبة ويمنعونهم من العمل الكريم، وباختصار، هم لا يريدون للأطفال أن يكونوا أحرارًا، إنّهم يسمّون أنفسهم راشدين ولكنّهم يفسدون العالم ويدمّرون الحياة.

وجدتٌ أيضًا فيديو آخر، قصير جدًا، ربّما مدّته دقيقة أو نصف دقيقة، كان غالبية أصدقائي يهزأون به ويضحكون، تظهر في الفيديو طفلة في الخامسة من عمرها، تقول بأنّها انضمّت إلى الثّورة لأنّ الكبار يحجبون رؤية النّجوم بالتلوث الضوئي الّذي اخترعوه.

انتشرت كذلك تغريدات لأطفال من كلّ أنحاء العالم يعبّرون فيها عن أسباب تأييدهم للثورة أو رفضهم لها، هذه نماذج منها:

” معظم طلاب فصلي أذكى من معلم الجغرافيا الّذي يعتقد بأن خريطة العالم المشهورة هي خريطة واقعية، ومع ذلك ما زال علينا أن نذعن لمعلوماته المغلوطة “

” إلى متى سيستمرّ تقييم الإنسان بناءً على عمره بدلاً من النّظر إلى كفاءاته وشخصيته؟ “

” لا أفهم هذا الهراء الّذين يتحدّثون به، ثورة؟ ضدّ أمّي وأبي؟ هذا جنون وأنا لست أحمق لأنجرف إليه “

” لقد أثبت التّاريخ بأنّ العمر لا علاقة له بأخلاقيّة الإنسان أو عقلانيته، إنّ دونالد كاتربيلر في السّبعين من عمره مثلاً ! “

” لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، حتّى الأطفال غرّروا بهم ضدّ أهاليهم، ثورة النّساء جلبت علينا مصائب! “

” إنّ أوّل إهانة لنا هو اتّهام الدّاعمين البالغين بتحريضنا، نحن لسنا مجموعة من الأغبياء قليلي الحيلة “

بقيتُ صامتة إزاء كلّ ما يحصل لأشهر عديدة، من بين الجميع كانت ردّة فعلي الحقيقيّة منذ البداية هي التفاجئ! بالتدريج، يومًا بعد يوم، أصبح الكبار أكثر تقبّلاً لفكرة هؤلاء الأطفال وازداد عدد المؤيدين من البالغين لهم وتراجع الكثير من الأطفال عن رفضهم السّابق.

تمكّن الأطفال من تغيير بعض القوانين في العديد من المدن وبدأ بعض الآباء بالاستجابة لأبنائهم، ظهرت كتب قليلة تتحدّث عن هذا الموضوع على المستوى النّفسي والاجتماعيّ والمادّي، بعض الإدارات مثلاً وافقت على السّماح للأطفال بالعمل لما سيحدثه ذلك من أثر جيّد على الوضع الاقتصاديّ وقد كتب عالما اقتصاد كتابًا حول هذا.

تمّ السّماح للمراهقين بتكوين عائلات وتغيّرت قوانين الأسرة تبعًا لذلك وعلى الرّغم من أنّني أكتب لكم عن هذا بعد ستّ سنوات من بداية الثّورة إلاّ أنّني لم أجد حتّى الآن رسالة رصينة حول التّأثير الاجتماعيّ لهذا الأمر.

ما زلتُ متردّدة حول رأيي في هذه التغييرات الهائلة حتّى الآن، ما زلتُ عاجزة عن اتّخاذ موقف حاسم، ولكنّني قررتُ الكتابة عنه بعد أن سمعتُ عجوزًا يابانيًا يقول اليوم : ” إنّ أيّ تغيير هو أمر إيجابي “، وتساءلتُ إن كان هذا صحيحًا في ما يخصّ ما حدث؟ ربّما مجرّد معرفة خطأ ما ارتكبه الأطفال هو أمر إيجابيّ حقًا، ربّما .. من يدري؟

 

مصادر الصّورتين:

١. http://valerioberdini.photoshelter.com/gallery-image/Children-of-The-Revolution-Nepal/G00004ujtkj6Wksk/I0000rBBcIZj_iuk

٢. http://valerioberdini.photoshelter.com/gallery-image/Children-of-The-Revolution-Nepal/G00004ujtkj6Wksk/I0000uho8I5KRv6g

(٣) تموتُ وأنت لا تدري

كنتُ أمشي سعيدةً في طريقي إلى محلّ أغراض منزليّة، مزهوّة بمساحة الاختيار الحرّ الّتي أؤتيتها منذ تزوّجت، منتشية بالهواء البارد في المدينة الّتي سكنتها مؤخرًا، وممتنّة للأعشاب المدهوسة والأشجار المترامية.

توقّفت عن الحركة فجأة وسط الشّارع وقلتُ لنفسي: “تموتُ وأنتَ لا تدري”.

هكذا ترادوني أفكار الموت، فجأةً مثلما يفعل الموت نفسه، لا تتسلّل إليّ من خلال مقبرة أو جنازة، لا تأتيني في صور قتلى الحروب ولا أسرّة المستشفيات البيضاء، بل تجريديّة ومفاجأة، تقتحم قفصي الصّدري فتضخّم كلّ شعور حيّ أحمله، الحبّ، اليأس، الأمل، السّعادة، الخوف، الفزع، الفراغ، واللاجدوى.

فكّرتُ ثانية: من السخريّة بمكان أنّ الإنسان لا يملك أيّ اختيار في أهمّ حدثين في حياته، مولده ومماته، لا يعرف الإنسان متى يخرج من عالم الغيب إلى الدّنيا، ومتى يعود من الدّنيا إلى عالم الغيب.

لكنّني عدتُ لأفكّر بأولئك الّذين اختاروا موتهم طواعية، الّذين زحفوا إليه مثلما نزحف إلى الحياة، الّذين جعلوا من موتهم اختيارًا حرًّا، ياه ! ما أعظم أن يجد الإنسان ما يموت لأجله، وهذا أمر مختلف جدًا عن اختيار الموت حين لا يجد الإنسان ما يعيش لأجله.

ثمّ شاهدتُ فيلم The Last Samurai – وهو فيلم رائع جدًا أوصي به -، وحين بدأتِ المعركة بين رجال الساموراي والجيش اليابانيّ، قلتُ لزوجي بأنّني لا أفهم كيف يقدم النّاس على موتهم هكذا، الأمر مخيفٌ جدًا، ثمّ سألته: هل ستدخل في معركة كهذه؟ فأجابني: ” نعم، إذا كانت من أجل ما أؤمن به”، شعرتُ بالحزن، ليس لديّ ما أؤمن به كفاية للقتال في معركة في سبيله.

هذه هي الحلقة النّاقصة، الحلقة الضّعيفة الّتي تجعلني أقلّ انسجامًا مع الكون، الحلقة الّتي تشدّني العدميّة من خلالها، لستُ على وفاق مع الموت، ليس لديّ ما أموت لأجله، قد تكون بعض الأشياء عزيزة لديّ بما يكفي لاقتلاع عينيّ من أجلها، لكن لا شيء، لا شيء مهما كان عزيزًا يستحقّ الموت.

لكنّنا سنموت على أيّة حال، لا يمكن تجاهل هذه الحقيقة، واختيار طريق للموت يبدو منطقيًا أكثر من ترك الأمر برمته للوقت. ومع ذلك نحن نحاول تأجيل الموت قدر استطاعتنا، إنّنا نؤجّل الموت إلى الحدّ الّذي نذهب معه إلى الاستعاذة منه حين نذكره، إلى تجنّب الكتابة عنه، إنّنا لا نذكره إلاّ على حذر وكأنّه سيدخل علينا حين يسمع اسمه، لكن إلى أين نهرب؟ إنّنا نموت كلّ يوم، تموت خلايانا، يتساقط شعرنا، تُوهن أجسادنا، تتحوّل أيّامنا إلى ذكريات، نفكّر فيها كحلم قديم ونحن نتساءل: هل كنّا حقًا ما كنّاه؟ أين ذهب الطّفل الّذي كنّاه يومًا؟ إلى أين يمضي الوقت بعد أن يقطعنا؟

(٢) أليوشا

هل يستطيع أحدٌ ألاّ يحبّ أليوشا؟  أن يتحرّر من سطوة طهارته ورقّته؟ هل يستطيع أيّ قارئ أن يتجاوزه؟ أن يخبرنا في مراجعته للـ “الأخوة كارمازوف” بأنّ أليوشا كان مملاًّ مثلاً أو طيّبًا أكثر من اللازم، أو مداهنًا، أو عاجزًا عن اتّخاد موقف حازم؟

هل يستطيع أحدٌ ألاّ يحبّ صغيرنا أليوشا؟