في عشق الضّوء، ما الّذي يجعل Better Call Saul مسلسلاً مختلفًا؟

كتبتُ قبل سنة من الآن بأنّ ما يجعل مسلسل Breaking Bad الشّهير رقم ١ في مفضّلتي هو عدم  تركيزه على منح المشاهدين حلوى بصريّة بل على الحبكة والقصّة وتطوّر الشّخصيّات، وما زال هذا السّبب هو الأساسيّ لديّ في تفضيل الأعمال المرئيّة، فمهما يكن العمل رائعًا إلاّ أنّه يفقد عظمته لديّ بالتكلّف في اختيار الممثلين الأنيقين والممثلات الحسناوات.

أتعطّش دائمًا لمشاهد أكثر واقعيّة وصدقًا، والواقع ليس جميلاً ولا قبيحًا، لكنّه ملوّن مرتبك، ولذلك تحتوي مفضّلتي أيضًا على المسلسل العظيم Orange is The New Black، والّذي يمثّل ثورة جبّارة على صور المرأة في الأعمال المرئية، فالنّساء في هذا المسلسل متنوّعات قلبًا وقالبًا بلا افتراضات مثاليّة حالمة ولا أدوات قياس تُحدّد للمرأة ظهورها بناءً على إنشات خاصرتها.

ثمّ شاهدتُ Better Call Saul، أعني، لقد بدأتُ بمشاهدته قبل عامين منذ الموسم الأوّل له، لكنّ حبّي له ازداد باضطراد حتى تحوّل إلى هوس هذا الموسم، يمثّل هذا العمل حالة خاصّة وفريدة لديّ، وقد كان هذا هو هدف صنّاعه الّذين قالوا ” نريد لهذا المسلسل ألاّ يشبه أيّ شيء آخر على التّلفاز “، وعلى الرّغم بأنّ خلفيتي السينمائيّة والفنّية متواضعة جدًا إلاّ أنّني بعد مشاهدة كلّ حلقة أشعر بإلحاح الكتابة عن تجربة مشاهدته، كما أنّني أتمنّى لو كانت لديّ القدرة على أخذ صورة من كلّ مشهد منه وعرضها على الآخرين كي أتقاسم معهم الجمال الّذي أراه.

وعندما أتحدّث عن الجمال في Better Call Saul،  فأنا أتحدّث بالضبّط عن الجمال الّذي أرغب بمشاهدته في الأعمال المرئيّة، التّغذية البصريّة مقابل الحلوى، الجمال العميق غير المتكلّف، الّذي لا يرتكز على الاستهلاك والاستخدام الاحترافي للأدوات، بل على الحسّ الفنّي المرهف والذّكاء الفطريّ.

جمال الصّمت :

على عكس Breaking Bad ،  تبدو الأحداث في Better Call Saul غير مستعجلة ولا صاخبة، وكأنّها تأخذ وقتها إلى الأبد، هادئة جدًا حتّى في مشاهد الإثارة، هذا الهدوء يتضمّن لحظات صمت طويلة خصوصًا في مشاهد الممثل جوناثان بنكس (مايك) الّذي قال بأنّه قضى ١٢ – ١٦ ساعة عمل ليومين متتالين لتصوير مشهد صامت لا يتجاوز عشرين دقيقة.

يُشكّل هذا الصّمت تحدّي هائل خصوصًا وأنّ الشّخصية الّتي يلعبها لا تُفصح عن مشاعرها وردود أفعالها بتغيير ملامحها، أتساءل الآن: ماذا احتاج كي يؤدّي الدّور إذًا؟ بدون كلمات ولا ملامح ناطقة، ربّما الانغماس في الشّخصية حتّى القاع.

كلّ ما تضمّنه هذا المشهد الصّامت مثلاً هو محاولة مايك لتعليق حذائين على سلك كهربائيّ برميهما، لكنّ المنظر كان جميلاً جدًا، كيف يستطيع النّاس صناعة مشهد بهذا الجمال من حذائين باليين وسلك كهربائي؟ وبالمناسبة لم يستخدم مصوّروا المسلسل إلاّ ٣ عدسات فقط في تصويره كاملاً، أيّ أنّ الأمر لا يكمن بالمعدّات، بل بالأعين القادرة على بناء الصورة والتقاطها.

جمال الطّبيعة :

أعتذر عن سوء جودة الصّور، ما فعلته حرفيًا كان التقاط المشاهد الّتي أحببتها كما رغبتُ منذ البداية، تدور بعض أحداث المسلسل في الطّرق بين الولايات الأمريكيّة، وبالرّغم من الجفاف والأعشاب الميّتة إلاّ أنّ المشاهد فيها كانت ساحرة ومؤثّرة وتبعث في النّفس شعورًا عجيبًا.

جمال الضّوء:

الضّوء في Better Call Saul هو أجمل ما فيه، ويكفي أن تكتبوا في محرّك بحث الصّور Better Call Saul Lighting لينفتح لكم باب من الجمال الفنّي الّذي يجعلكم تشهقون أمامه.

ولا أعلم أيّهما كان له التّأثير على الآخر بشكل أكبر، الضّوء أم الحبكة، فشقيق سول مثلاً مصابٌ بمرض يدفعه إلى تجنّب الكهرباء ممّا يتيح لطاقم العمل فرصة هائلة في استغلال نوافذ منزله كمصدر للضوء الطّبيعي (ضوء الشّمس) وبالنّسبة لي فعلى الرّغم من الكآبة والسوداوية الّتي تلفح هذا المنزل، إلاّ أن هنالك بالضّبط، عند تلك النّوافذ التقطت أجمل مشاهد Better Call Saul وأكثرها سحرًا.

اعتمَدت الإضاءة الخارجيّة في منزل تشاك على النّوافذ الشاسعة الّتي تسمح للضوء الحرّ بالمرور واعتَمدت الإضاءة الدّاخلية فيه على الفوانيس السّاحرة، والنّوافذ بالعموم تشكّل عنصرًا أساسيًا في مشاهد المسلسل، هذه لقطات من أماكن مختلفة، عابرة أحيانًا، كان للنوافذ فيها دورًا فنّيًا جميلاً :

يجلس مايك بمفرده، وحيدًا بانتظار أن يقوم خصومه بحركة في الخارج، يقرمش الفستق بصمت أمام هذه النّافذة الّتي يتسلّل ضوء الشوارع عبرها في المساء، لا يمكن لمشهد آخر أن يكون أكثر تعبيرًا عن وحدة هذا المحارب الصّبور.

يتجادل كيم وجيمي حول الموظّفة الجديّدة، كيف لهما أن يفعلا ذلك في حضرة هاتين النّافذتين؟ في حضرة هذا الضّوء المتكسّر على الأرض؟

أثناء صفقة مشبوهة بين شرطيّ سابق وطبيب إنسانيّ، لم يفوّت المخرج مشهدًا سريعًا كهذا دون استغلاله لمنحنا وجبة ضوء أخرى.

في المحكمة، قبل أيّ أحد، حضر الضّوء.

جمال الشّخصيّة العاديّة : 

لوقت طويل، اعتدنا على مشاهدة أبطال مثاليين. أنيقون جدًا، أخلاقيّون جدًا، كانوا بالنّسبة لنا الآلهة الّتي لا نستطيع التطلّع إليها إلاّ من بعيد، الـidols والـ superheros، تغيّر الأمر قبل سنوات وأصبحنا نشاهد الأبطال الأشرار، حاذقون جدًا، ماهرون جدًا، مريضون جدًا .. احتاج الكتّاب والمخرجون لهذه الـ “جدًا” سواء كان البطل طيّبًا أم لا، فالحالات المتطرّفة  تجعل صناعة المحتوى أسهل بكثير.

في Better Call Saul، نشاهد جمال الاعتياديّة، إنّ جيمي يمكن أن يكون أيّ واحد منّا، ذكاء متوسّط، نظام أخلاقيّ مختلّ ومرتبك في أفضل حالاته، ليس جذّابًا ولا منفّرًا، ليس محظوظًا ولا متعثّر الحظ، إنّ صناعة هذا الـ character من وجهة نظري أصعب بكثير من صناعة هايزنبرغ بطل Breaking Bad، أن تخلق قصّة وتطوّر شخصيّتها الأساسيّة دون نقاط ضعف أو قوّة ترتكز عليها، هذا يحتاج إلى مهارة حقيقيّة.

أشعر أحيانًا بأنّني صرتُ مملّة لكثرة تكراري لهذا الموضوع، أريد عملاً عاديًا وواقعيًا، أعترف بأنّني مهووسة لحدّ ما بهذا الأمر.

جمال اللون الأصفر :

هل لاحظتم هذا؟ هنالك غلبة للون الأصفر في Better Call Saul، لا أعرف السبب، ربّما أراد العاملون عليه إضفاء شيء من النوستالجيا فالمسلسل تدور أحداثه في عام ٢٠٠٢ أيّ قبل ١٥ عامًا من الآن، أيًا يكن السبب فاللون الأصفر مرحّب به في أيّ وقت.

مشهد علويّ من غرفة جيمي الصّغيرة، يقول المصوّر الفوتغرافي بأنّهم اختاروا لجيمي أصغر غرفة ممكنة وأصغر سيّارة كانت متوفّرة في ذلك الوقت، ومع ذلك كان باستطاعتهم تصوير مشهد جميل في مكان ضيّق وفوضويّ كهذا.

في منزل كبير تجّار المخدّرات، وبالمناسبة فمنذ ظهور هذا المنزل في Breaking Bad وهو مكسوّ بصفرة الشمس هكذا.

.

.

انتهيت من المقال، هذا أصعب جزء من أيّ مقال بالمناسبة، هل يمكنني تسميته مقال؟ أظنّ أنّنا اخترعنا كلمة “تدوين” لرغبتنا بكتابة نصوص كهذه، أيًا يكن، أتمنّى أنّني استطعتُ نقل شيء من الجمال الّذي رأيته إليكم، قد تكون مبالغة منّي، لا أعرف، في أمان الله.

شعرٌ طبيعيّ جدًا، أكثر ممّا يُفترض منه !

 

في البدء :

ليس الشعر الأجعد هو المشكلة، فالشعر الناعم المنسدل يصبح رمزًا للغباء والبلادة في بعض الروايات والأفلام، وسؤال ذوات الشعر الناعم هو : كيف أجعل شعري يبدو أكثر كثافة وحيوية؟ ما هو أفضل جهاز لعمل ويفي؟ هل أسرّح شعري بلفّات كبيرة أو صغيرة؟

وليس الشعر الناعم هو المشكلة، فالشعر الأجعد غير مرتب، ومنتجات التنعيم والفرد تتطوّر بشكل مستمر وتكتسح الصالونات والصيدليات ومتاجر “انستغرام”، والصغيرات ذوات الشعر الأجعد، يكرهنه ببساطة.

وليس الشعر الرمادي هو المشكلة، فالرمادي كان موضة الموسم الماض، وليس الشعر الأسود هو المشكلة فلطالما تغزّل الشعراء به.

ولكنّ المشكلة، المشكلة الحقيقية الّتي تخبركِ بها كلّ الوسائل المرئية هي في الشعر الطبيعي، على شعرك ألاّ يكون طبيعيًا إلاّ إذا حقّق وحده ما تقدر عليه منتجات التجميل والتوصيلات الصناعية، لكن كم امرأة مُنحت رفاهية الشعر المثالي؟

إنّ شعورنا الطبيعية باهتة أحيانا، متطايرة، ناعمة خفيفة، أو جافّة سميكة، تشبه شعور النساء في بعض اللوحات الكلاسيكية القديمة، لا يمكن لها أن تكون مثالية إلاّ بمبالغ طائلة ووقت زائد وتكريس كلّي لها.

جلّ النّساء العاديات مثلي ذقن في فترة ما من حياتهنّ، أو خلال حياتهنّ كلّها، مرارة ألاّ يكون شعرك جميلاً، مرارة أن يكون طبيعيًا أكثر من اللازم، مرارة ألاّ تمتلكي الوقت الكافي أو المال الكافي للعناية به، العناية الّتي تحوّله من شعر عادي إلى شعر جميل، كثيف وحيوي وناعم ولامع، مثالي حتى في فوضويته.

تحدّث الكثير عن الضغط النّفسي الهائل على النّساء الّذي تحدثه معايير “الأجساد المثالية” لكن من تحدّث عن “الشعر المثالي”؟

حتّى حين يخبرونك بأنّ شعرك الأجعد جميل، حتى حين يمنحونه مسمّى أكثر “شياكة”: كيرلي، إنّهم لا يتقبلونه كما هو بل ينصحونك بقائمة لا تنتهي من المنتجات الّذي تجعله “أجعد جميل ومتقبّل و.. غير طبيعي ”

تقول لي إحدى النّساء اللواتي خلعن الحجاب : لقد كان الأمر أسهل حين أرتديه، أنا الآن أستيقظ مبكرًا جدًا لتصفيفه، وهي بالمناسبة امرأة شرقآسيوية ذات شعر ناعم جدًا، ناعم ولكنّ نعومته لا تكفي طالما أنّه شعر طبيعيّ جدًا.

.

.

في محاولة بسيطة للاحتفاء بالشّعر الطبيعيّ قمتُ بجمع فيديوهات من يوتيوب لتسريحات شعر لا تحتاجين معها لقضاء وقت طويل في محاولة تعديل شعرك كي يبدو بطبيعة مختلفة تمامًا عمّا هو في الأصل، طبعًا لستُ ضدّ العناية بالشّعر وتسريحه والحرص على جعله متألّقًا، إنّما أحارب بشدّة القلق الدّاخلي الّذي يدفعنا لرفض طبيعة شعورنا غير المثاليّة واللجوء المستمرّ لحلول تعتمد على تغييره.

يوكي،  مثل كلّ الأشياء الحلوة


بدأتُ قبل شهرين بكتابة  نصّ في مدوّنتي بعنوان : ” ماذا يعني أن تربّي قطّة؟ ” ولم يدر بخلدي وأنا أؤجّل الكتابة بأنّ النّص سيتحوّل إلى رثاء قطّتي الجميلة يوكي الّتي رحلت مساء الأمس وبقي شعرها عالقًا في ملابسي وصوتها في جدران المنزل.

لا زلتُ أذكر قبل ستّة أشهر حين كانت تلعب تحت مكتب زوجي ونحن نفكّر باسم لها فاقترح زوجي “يوكي”،  ويوكي هو الثلج باليابانية،  ولم تكن يوكي بيضاء كالثلج ولكنّها رحلت سريعًا مثله،  بعد أن اختلطت روحها بروحي وتركت داخلي أثرًا لم يتركه أحدٌ قبلها قط.

ولا أدّعي بأنّني أحبّ يوكي أكثر من أي أحد،  ولكنّني أحبّها مثلما لم أحبّ أحد، لقد جرّبتُ في نفسي شيئًا لم أجرّبه أبدًا حين أحببتُها وأحبّتني،  لقد كانت الجزء الأكثر بياضًا وطهارة في حياتي،  حتّى أنّني كنتُ أفكّر بأنّه،  لربّما أرسل الله لي في هذه القطط أرواحًا صافية مجرّدة كي تضفي كلّ هذا الجمال على عالمي الفوضوي.

هناك سحرٌ عميق وآسر في العلاقة بين الإنسان والحيوان،  سحر يغيّر روحك للأبد،  يعيد ترتيب علاقاتك الكونية، يخفض جناح الغرور الإنسانيّ لديك ويهذّبه .

قبل أسبوعين تقريبًا، عدتُ متعبة من العمل بعد دوام يوم طويل، استلقيتُ واستلقت يوكي بجانبي،  مسحتُ على شعرها وأنا أفكّر : الحمدلله بأنّ يوكي موجودة في حياتي، لاحظتُ حينها بأنّ درجة حرارتها مرتفعة أكثر من المعتاد، لقد كانت تهاجمها نوبات حمّى وأخذتها للطبيب مرّتين فوصف لها مضادّ حيويّ،  قرّرتُ أخذها في الصباح لعيادة بيطرية أخرى.

عندما أخبرني الطبيب في اليوم التالي بأنّها مصابة بالـ FIP، أجبته بلا قلق : وما هي الخطة العلاجية؟

– لا توجد خطة علاجية،  كل ما نستطيع فعله هو تبطيء تطور المرض،  لكنه مرض قاتل وستموت في النهاية.

ما شعرتُ به حينها هو أنّ الحياة غير عادلة معي إطلاقًا،  وكأنّ هنالك ثأرًا بيننا حتى تقابل سعادتي بهذا الخبر، خرجتُ من المستشفى وذهبتُ إلى مكان آخر لأنّي لم أكن مقتنعة تماما برأي الطبيب،  أجرى لها الأطباء في عيادة أخرى فحوصًا مختلفة وأكّدوا لي التشخيص قبل أن يقول أحدهم ببرود : هل تريدين إجراء قتل رحيم؟

لا لا لا،  من المبكر قول ذلك،  عدتُ لأقرأ المزيد عن مرضها،  وكلّما قرأتُ أكثر كلما أصابني اليأس أكثر، إنّه مرض قاتل لم تُسجّل حالة لأي قطة شُفيت منه، ويوكي مصابة بالنوع الأشدّ فتكًا منه حيث يُتلق الكبد وتتجمّع السوائل في البطن، بكيتُ كثيرًا،  أعني،  انتحبتُ كثيرًا،  تركتُ لزوجي قرار القتل الرحيم،  لم أكن أريدها أن تتعذّب ولم أكن أريد أن أختطف فرصتها المعدومة بالنجاة.

في اليوم التالي عدتُ باكرًا من العمل،  فتحتُ باب الغرفة فوجدتها واقفة ملتصقة به تنتظرني،  احتضنتها وأخذتها إلى طعامها فأكلت بشراهة،  وجدتُ حينها بأنّني أرفض تمامًا حملها إلى الموت وهي لا زالت ممتلئة بالحياة،  بعد ذلك،  عشتُ وقتًا سعيدًا معها، كانت كلّ استجابة منها للدواء تغمرني بسعادة لا توصف،  كلّ مرّة توافق فيها على الأكل دون إجبار،  كلّ حركة،  كلّ قفزة،  كلّ محاولة لتنظيف جسدها،  وباختصار كان وجودها وحده يشعرني بالامتنان الشديد.

قبل الأمس بدأت أنفاسها تصبح أكثر صعوبة،  اعتقدتُ بأنّها أُصيبت بالزكام،  أخذتها للطبيب،  زاد جرعات أدويتها،  ٦ أقراص عليها أن تأخذها يوميًا،  عدتُ بها إلى البيت،  لم يتحسّن التنفّس عندها، فتحتُ الماء الساخن في الحمّام ووضعتها على السجاد لعلّه كما قرأت يساعد على تخفيف انسداد أنفها،  لا فائدة.

في كلّ لحظة كانت أنفاس يوكي تصبح أكثر سوءًا،  في الساعة التاسعة مساء الأمس أخذتها للطبيب مرّة أخرى، كانت العيادة على وشك الإغلاق، عرفتُ من خلال نظرات طبيبها بأنّه عاجز عن المساعدة، أخذها إلى غرفة الأشعّة،  ولمّا عاد أخبرني بأنّ وضعها سيء،  لقد وصلت المياه المحبوسة في بطنها إلى رئتها، بكيت من جديد،  ولم أتوقف عن البكاء حتّى صعدتُ سيارة أوبر عائدة إلى المنزل.

كنتُ أنتحب في السيارة،  وبدأ السائق بالقلق علي: أختي انتِ بخير؟  تحتاجي المستشفى؟  أقدر أساعدك بشيء؟  لم أكن أريد الإجابة لا لأنّني أخجل من انتحابي لهذا السبب، أعرف بأنّ العديد من النّاس يستنكرون على أنفسهم الانتحاب لأجل حيوان أليف لكنّني لستُ منهم،  ما منعني من الإجابة هو مخافة أن يبدي السائق أيّة ردة فعل ساخرة، لكنّني كنتُ مخطئة،  فما إن فهم حزني حتى قال لي: أنا عارف ايش تحسي،  أنا مولود في قرية وعشت فيها وكنت أبكي كل مرة أبوي يأخذ حيوان عشان يذبحه، كنت أبكي على الخرفان والدجاج والماعز “، حاول تهدئتي بالحديث عن أطفاله واستشارتي في جلب قطة لهم،  كان لطيفًا ومهذبًا.

في المنزل، كنتُ أستلقي على سريري بجانب يوكي، مع كلّ نفٓس كانت حالتها تزداد سوءًا ومع كلّ نفَس كنتُ أشعر بالذنب الشديد لأنّني أخذتها للطبيب ولم أطلب منه تخليصها من عذاباتها، لقد بلغت حالتها من السوء أن اضطّر زوجي للاتصال على الطوارئ من أجل إجراء قتل رحيم لها.

انتحبتُ للمرّة الألف، كان الشعور بالعجز والتفاهة والخوف يملئ رئتيّ،  احتضنتها وودّعتها : شكرًا لأنّكِ كنتِ جزءًا من حياتي،  أعتذر لأنّني لم أستطع مساعدتك.

.

.

أكثر ما كنتُ أخشاه ليلة رحيل يوكي هو الاستيقاظ، أخذتُ باندول نايت كي أخفف ألم الصداع وأتمكّن من النّوم، لكنّني فوجئتُ عندما استيقظت بسعادة تحاول موازنة شعوري بالحزن، لم تكن يوكي موجودة هناك،  لكنّ ألمها ومعاناتها لم تكن هناك أيضًا، وفي كلّ مرة يعتصر قلبي حزنًا على فراقها أتذكّر لحظاتها الأخيرة وأنفاسها الصعبة وصورة الماء المتجمّع في رئتيها الصغيرتين فتهدأ لوعتي وأبتسم.

عندما عرفتُ بطبيعة مرض يوكي بدأتُ بالقراءة والبحث حول التعافي من ألم فراق الحيوان الأليف،  الكثير من الخبراء كان يقول : لا تخجل من حزنك،  لا تلم نفسك لأنّ الرّاحل لم يكن إلاّ حيوانًا،  لا أحمل هذه المشاعر أبدًا وأستنكرها، إنّ يوكي كانت فردًا من عائلتي وفي كلّ مرّة تخيّلتُ نفسي في صورة عائلية كانت موجودة بجانبي، يوكي هي صديقتي الّتي ساهم غياب اللغة المشتركة في جعل هذه الصداقة روحيّة وصافية دون سوء فهم ودون عراكات لغوية متراكمة، كنت أحبّ القراءة بصحبتها وسماع الأغاني معها والتواجد حولها، أغنية خالد الشيخ “عطني وعد” بالذات مرتبطة عندي بيوكي،  كنتُ أغنّيها لها دائمًا وعندما مرضت، أصبحت الأغنية أكثر ارتباطًا بها.

سألتُ نفسي أكثر من مرّة، لو قُدّرت لي العودة إلى الماضي حين اخترتُ أن تعيش معي يوكي، وكنتُ مدركة لكلّ هذه الآلام الّتي ستصيبني من بعدها، هل سأكرّر هذا الاختيار؟ وفي كلّ مرّة، مهما كانت الآلام تكون الإجابة: نعم، حتّى لو تكاثرتِ اللوعة في داخلي عشرين ضعفًا، ما زلتُ ممتنّة لكلّ لحظة عشتها مع يوكي وسأكون ممتنّة لها .. إلى الأبد.

عن العلاقة بين الاعتداء الجنسيّ ومظهر الضحية

don't get raped
مصدر الصورة : https://healthculturesociety2015.wikispaces.com/Don%27t+Rape,+Not+Don%27t+Get+Raped

كنتُ في نقاش عقيم مع أحد الأشخاص الّذي حاول التّأكيد لي بإلحاح بأنّ هناك علاقة واضحة وبديهية بين لباس الفتاة وبين تعرّضها للتحرّش / الاغتصاب، استعرض هذا الشّخص عددًا كبيرًا من نسب الاغتصاب في المجتمعات الليبرالية الّتي ترتدي فيها النّساء ما يرغبن به دون قيود مؤكّدًا العلاقة بين لباسهنّ وبين تعرّضهنّ للاغتصاب.

هذا النّوع من المغالطات المنطقيّة بسيط وساذج وهو الرّبط بين اقترانين برابط سببيّ دون وجود دلالة على هذا الرّابط، شرحتُ له وجهة نظري ولمّا أعاد سرد احصائيّاته من جديد لم أردّ عليه لأنّي فهمتُ مدى عقم ما سأحاول فعله، لكنّي قرّرت الكتابة عن هذا الموضوع في مدوّنتي.

تُوجد مقالات كثيرة باللغة الانجليزيّة حول العلاقة بين الاغتصاب وبين سلوك الفتاة وملابسها، الكلام الّذي سأقوله تكرّر كثيرًا في هذه المقالات لكنّي لم أجد مقالات عربيّة مشابهة.

لماذا يفكّر النّاس بأنّ الفتاة هي سبب تعرّضها للاعتداء الجنسيّ؟

الاعتداء الجنسيّ هو واحد من الجرائم القليلة الّتي يُلام فيها الضحيّة على حدوثها في أنحاء العالم، والّتي لا تلطّخ المعتدي فحسب بل تلطّخ المعتدى عليه، هذا اللوم لا يحدث فقط في عالمنا العربيّ، رئيس الشّرطة في تورنتو في كندا قد صرّح قبل سنوات بأنّ النّساء سيتجنّبن الاغتصاب لو توقفن عن ارتداء ملابس العاهرات.

لماذا يحدث هذا؟

أولاً: تحمّل المرأة الجزء الأكبر في حدود علاقتها مع الجنس الآخر، لوقتٍ طويل توجّهت النّصائح التربويّة والوعظيّة للمرأة كي تتحاشى وقوع الزنا أو العلاقة المحرّمة، منذ طفولة الفتاة وهي تُربّى على “الحفاظ على شرفها” و”عدم تلطيخ سمعة عائلتها”، ثمّ يأتي الواعظون ليؤكدّون لها مسؤوليتها في الحفاظ على أخلاقية وطهارة المجتمع بل ويتمّ تحميلها خطأ الرّجال، لا زلتُ أذكر الكليشيه الوعظيّ : ” كم شابًا أغويتِ بعباءة الكتف؟ “.

يلعب الشّباب في هذه العلاقة دور “الذّئاب” الّذين تسبقهم غريزتهم، من الصّعب أن يقاوم الرّجل نفسه في ما جُبل عليه فعلى الفتاة إذن تحمّل مسؤوليته، حتّى حين تتعرّض هي للاعتداء، لو كانت عفيفة ومحتشمة لما أثارت غريزة الرّجل، وإذا كانت تخرج بهذا المنظر فماذا تتوقّع من الرّجال؟

ثانيًا: يعتقد النّاس بأنّ  في رفض إلقاء اللوم على الفتاة حين وقوع الاعتداء تشجيع لهنّ على عدم الاحتشام في اللباس وفي هذا ١. تهديد للتشريعات الدّينية / الاجتماعية الّتي يقوم عليها المجتمع، ٢. تهديد للرجل الّذي يعتقد بأنّ أخلاقياته سوف تهتزّ حين يشاهد فتيات غير محتشمات.

ثالثًا: إلقاء اللوم على لباس الفتيات أسهل بكثير من محاولة تغيير ثقافة المجتمع ودراسة سلوك المغتصبين ولومهم وحدهم ومحاولة إيجاد وسائل لحماية النّاس من التعرّض للاعتداء.

رابعًا: حقيقة أنّ الرّجال يُستثارون جنسيًا من النّظر إلى النّساء تدفع البعض للتفكير بأنّ الاستثارة الّتي أُتبعت باعتداء لا بدّ وأن سبقها سلوك / مظهر أُصدر من الضحيّة، هؤلاء يفسّرون تصرّفات المرأة أو مظهرها بالرّغبة في دخول علاقة ويأخذون هذا التّفسير على محمل قطعيّ.

لماذا من غير المنطقيّ أن نلوم الفتاة حين تتعرّض للاعتداء؟

أولاّ: إذا سلّمنا بأنّ الفتيات الفاتنات يتعرّضن للاعتداء فماذا عن الأطفال والرّجال الّذين يتعرّضون لمثل هذا أيضًا؟، أين هو موقعهم من هذا التّسليم؟ ذكرت صحيفة الرّياض في دراسة لها بأنّ من بين كلّ ٤ أطفال واحد تعرّض للاعتداء أو التحرّش الجنسيّ في السعودية، ماذا فعل هؤلاء الأطفال؟ ماذا كانوا يرتدون؟ هل يمكن لنا لومهم؟

إذا كان الاعتداء على الأطفال يتمّ بهه الصّورة المقلقة – ونحن لا نحتاج إلى إحصائيّات حتّى لإدراك ارتفاع الاعتداء على الأطفال في السعودية – دون أن يرتدوا ملابس فاتنة أو مكياج أو عباءات ضيقة أو تنانير قصيرة فماذا عن الفتيات؟

هل تعرفون بأنّ ثقافة لوم المعتدى عليه تنتقل من الفتيات إلى الأطفال؟ ذكرت إحدى الباحثات في مقال لها بأنّ رجلاً اغتصب طفلة ذات خمس سنوات قال لها بأنّ هذه الطّفلة كانت تلعب في حضنه فأثارته واعتقد بأنّها أعطته الضّوء الأخضر فاعتدى عليها ! أجل ! طفلة ذات خمس سنوات !

ثانيًا: ذات الاحصائيّات الّتي يستخدمها البعض لإثبات أنّ المرأة الغربيّة – رغم كراهيتي لهذا الاختزال – أكثر تعرّضًا للاغتصاب لأنّها ترتدي ملابس فاضحة، تقدّم معلومات فيها دلالة على عدم وجود هذا الاقتران، هذه الدّراسات تؤكّد على أنّ الاغتصاب يتعلّق بشخصيّة المعتدي أكثر بكثير ممّا تتعلّق بسلوك الضحيّة، على سبيل المثال الرّجال المدمنين للكحول والّذين يصاحبون أفرادًا داعمين لتعنيف المرأة نفسيًا وجسديًا أكثر عرضة من غيرهم لأن يتحوّلوا إلى مغتصبين، وكذلك ظهر في هذه الإحصائيّات بأنّ الّذين التحقوا ببرامج علاج وتأهيل الرّجل اقترفوا جرائم اعتداء أقلّ بـ ٤٠ ٪ من غيرهم، كما أنّ خطورة الّذين مارسوا العنف الجنسي منهم انخفضت ٨ مرّات أقلّ من غيرهم .

٣٤٪ من ضحايا الاغتصاب في أمريكا – وهي النّسبة الأعلى من بين جميع الأعراق – هنّ أمريكيات الأصل ( Native Americans ) ومن سكّان ألاسكا الأصليّات، هؤلاء النّسوة من مجتمعات محافظة وغير مبتذلة وخصوصًا في ألاسكا حيث لا يسمح الجوّ البارد بالتعرّي.

ثالثًا: حسب هذه الدراسة الّتي أجرتها Theresa Meiner ، لا يبحث المعتدي عن امرأة ترتدي ملابس فاضحة، بل عن امرأة تظهر بمظهر مستسلم وسلبيّ حيث يتمكّن الرّجل منها، معظم الضحايا ضعيفات الحضور والإصرار والهيمنة، وبينما يعتقد النّاس عامّة بأنّ جاذبية النّساء تؤثّر في فرص وقوعهنّ ضحيّة للاغتصاب إلاّ أنّ هذا المظهر الضعيف والمنكسر غير مرتبط بالجاذبية أبدًا.

رابعًا: توجد دوافع مختلفة للاغتصاب ليست منحصرة فقط على الإشباع الجنسيّ، إثبات الرّجولة والسّيطرة على سبيل المثال، أو إيذاء الآخر حسب هوّيته العرقية / الوطنية / الدّينية، الانتقام من الفتاة أو من أحد ذويها، فقدان السّيطرة بتناول الخمور أو بالمخدرات.

نصادف كثيرًا في مواقع التّواصل الاجتماعيّ تهديدًا رخيصًا وضعيفًا من بعض الشّباب باغتصاب الفتيات الخارجات عن المنظومة الأخلاقيّة أو حتّى المطالبات بتغييرات اجتماعيّة وقانونيّة، توجد أيضًا تهديدات تطال الشّباب الّذين يظهرون بمظهر أنثويّ، لم أسمع أبدًا بمن نفّذ تهديداته فهي كما قلت كلام رخيص وضعيف، لكنّ التّصور الذهنيّ الموجود عند المهدّد هو تصوّر موجود عند بعض المعتدين أيضًا: ” سأعلّمكِ درسًا قاسيًا كي تحترمي رجولتي” .

لماذا يتوجّب علينا أخلاقيًا ألاّ نلوم ضحيّة الاعتداء؟

أشعر وأنا أكتب هذه الكلمات بحزن عميق لاضطراري لتوضيح الواضحات وشرح البديهيات.

الاعتداء الجنسيّ على الأشخاص هو اعتداء بدنيّ ونفسيّ ينال الشيء الكثير من الضحيّة ويؤثّر به تأثيرًا عميقًا لا يتجاوزه إلاّ قلّة من النّاس، هذا التّأثير لا ينقصه الإشارة لملابس الضحيّة أو سلوكه للتخفيف من حجم الذّنب الّذي اقترفه المعتدي.

ترتفع نسبة الضّحايا الّذين يحاولون الانتحار أو يتّجهون إلى المخدرات أو يصابون لشهور باضطراب ما بعد الصّدمة، أو يرفضون الزّواج رفضًا قاطعًا، أو يصابون بالرعب من ممارسة الجنس بعده – أعرف شخصيًا فتياتٍ مصابات بجلّ هذا – لا أحد يسأل ذلك، لا أحد يبحث عنه، لا أحد يلمّح للآخرين عن طريق ملابسه بأنّه يرغب بهذا الشّقاء.

يجب مرّة ومرّتين وثلاث وعشر بألاّ يشكّل الاغتصاب عارًا على الضّحية،  يجب ألاّ نعاقبه بذنب هو المتضرر الأوّل فيه، ونعم، مجرّد الإشارة إلى سلوك الضّحية عند الحديث هو تعريض قبيح وسافل حتّى لو حاول المتحدّث إتباع كلامه أو إسباقه بالتأكيد على أنّ المغتصب ما زال مجرمًا يجب معاقبته.

الإنسان ليس “مالاً سائبًا” ولا “لحمًا رخيصًا”،  الاعتداء الجنسي لا يختلف عن الاعتداء بالضرب أو التعذيب بل كثيرًا ما يتضمناها، ونحن لا نشير لضعف ضحيّة التعذيب ولا لإهمال ضحيّة الضّرب والتنمّر لأنّه لا يوجد أي منطق أو مبرّر للوم الضحية على ما يقع عليه، فلماذا نستمرّ بالإشارة لملابس ضحايا الاغتصاب وسلوكهنّ بدلاً من التركيز على حلول لردع المعتدين؟

تعلمون ماذا؟ ما زلتم تنكرون الأمر، افتحوا محرّك بحث Google وابحثوا عن صور ضحايا الاغتصاب في مشهد الجريمة وتمعّنوا فيهنّ جيّدًا جيّدًا، تمعّنوا جيّدًا علّ قلوبكم تبتلّ وتدركون فداحة كلماتكم.

.

.

المصادر:

https://cultureofrespect.org/program/the-mens-program/

https://www.rainn.org/statistics/victims-sexual-violence

http://rapecrisis.com/statistics/

http://www.oneinfourusa.org/statistics.php

https://en.wikipedia.org/wiki/Rape_in_Sweden

https://sabq.org/sfQo5d

http://www.alyaum.com/article/4075106

حبل غسيل، عن المسرح الارتجاليّ

كنتُ قد قرّرتُ يوم الجمعة الماضي بأن أقضي الليلة في المنزل متنزّهة بين الكتب المؤجّلة، المشاريع المؤجّلة، والدّروس المؤجّلة، لكنّ إحدى صديقاتي أخبرتني بأنّ قناة سين تقيم مسرحيّة كوميديّة في النّادي الأدبيّ في الدّمام فقرّرتُ الذّهاب لحضورها، لا حبًّا في المسرحيات الكوميدية، ولكن لعدم توفّر فرصة أخرى لمشاهدة مسرحيّة دراميّة أو موسيقيّة مثلاً.

قمتُ بحجز التّذكرة عن طريق واتس آب، وهذا غريب جدًا بالنّسبة لي، تتوفّر تطبيقات ومواقع كثيرة تقدّم خدمة حجز التذاكر للأحداث والفعاليات فلماذا يستخدم الشّباب هذه الطّريقة غير الاحترافية للحجز؟ ثمّ أنّهم أخبروني – وبطريقة كوميديّة – بأن أحضر قبل موعد المسرحية بساعة كاملة وإلاّ فإنّ التذكرة قد تذهب لغيري، لماذا تكلّفوا عناء حجز التذاكر إذا كانت قد تُلغى دون علم الحاضرين؟ هل وفّروا تذاكر للحجز أكثر من عدد الكراسي المتاحة وضمنوا بهذه الطريقة أن يخلوا مسؤوليتهم في حال حضر عدد أكبر من الحضور؟ أعرف بأنّ عددًا كبيرًا من النّاس قد يٌلغي حضوره دون إخطار للجهة المسؤولة وهذه مشكلة، لكنّ الحلّ ليس في استخدام طرق غير احترافية للحجز، بل بالبحث عن الحلول الّتي أوجدها أو اخترعها من مرّوا في نفس المشكلة من قبل، مشكلة تنظيم الفعاليات.

عندما وصلتُ المكان شككتُ في البداية بأنّه هو جهتي المقصودة، المدخل ضيّق ومزدحم والمبنى محزن، عندما دخلتُ قلتُ لنفسي بأنّ هذا البناء الصغير أضيق من أحلام الشّباب وطموحاتهم وإمكانيّاتهم، أضيق من الحاضرين العطاشى للفعاليات الفنّية، أضيق منّي أنا وأضيق من كلّ المعلّقة صورهم على الجدران، ثمّ استطرت: ولكنّه موجود على الأقل، وهذا يكفي الآن.

وصلتُ مبكرًا بالطبع، وكنتُ أفكّر : كيف سأقضي وقتي قبل بدء المسرحية؟ لم يكن لديّ ما يكفي للتفكير بالإجابة فقذ صعد على مسرح خارجيّ صغير أحد الشّباب وقدّم لنا شابّين استعراضيين، يقدّم أحدهما ألعاب الخفّة والخديعة ويتقن الآخر فنّ Ventriloquism أو التحدّث من البطن، وعلى الرّغم من أنّني شاهدتُ عروضًا مشابهة جدًا لكلا العرضين إلاّ أنّني أحببتُ احترافية الشّابّين وأحببتُ حضورهما وأحببتُ البهجة الّتي عمّت الجمهور.

المسرحية :

قبل بدء المسرحية بدقائق كنتُ أشعر بالإحباط فالفتيات حولي يتحدّثن بصوت عال، بدأت المسرحية بعزف موسيقيّ أذهلني، كنتُ مأخوذة بالنّاي وبالقيتار، ومع ذلك استفزّتني جدًا الجوّالات المرفوعة أمامي والأصوات العالية، ليست لديّ أدنى مشكلة في توثيق اللحظات الحلوة، لكنّ رفع الأجهزة إلى الأعلى يعيق البقيّة عن الرّؤية والاستمتاع وهذا مزعج جدًا.

لم أكن ملمّة بفكرة المسرحية، أخبرتني صديقاتي بأنّها مسرحية ارتجالية يؤثّر فيها الجمهور على مسار القصّة، لكنّني لم أفهمها بشكل واضح إلاّ حين بدأت.

مسرحية “حبل غسيل” تنتمي لنوع من الفنّ الارتجالي improvisational theatre حيث الممثّلين والموسيقيين يصعدون على المسرح دون تخطيط مسبق لما سيقدّمونه، وهو فنّ قديم جدًا تمّ استحداثه، ففي الماضي كانت الفنون بسيطة وشعبية ومرتجلة غير خاضعة لسطوة  المدارس الفنّية وللكاتب والمخرج والسيناريست، وفي بداية القرن العشرين راجت المسرحيات المرتجلة كأسلوب تدريبيّ للأطفال على الدراما والتعبير والتمثيل.

يميّز المسرح الارتجاليّ الحديث بأنّه تفاعلي مع الجمهور، فهو من يقدّم الفكرة إمّا عبر كتابتها في صندوق اقتراع قبل بدء المسرحية، أو عبر رمي الكلمات العشوائيّة أثناءها أو – كما في مسرحية حبل غسيل – عبر سماع الأفكار مباشرة من الجمهور ومن ثمّ تنفيذها بأسلوب كوميديّ خاصّ بالممثلين فكرة فكرة.

تفاجأتُ جدًا جدًا من مستوى الممثلين الاحترافي، فأثناء جلوسهم على الكراسي قبل بدء المسرحية يظهرون وكأنّهم قد بنوا جدارًا بينك وبينهم، لم أتمكّن من عبور ذلك الجدار إلى مخيّلتهم أو مشاعرهم أو أفكارهم، لكنّهم ما إن ينهضوا من مكانهم متّجهين إلى حبل الغسيل حيث يختارون ملابس الشّخصية حتّى يتغيّرون تمامًا، يبدون لك وكأنّهم نزعوا جلودهم الجادّة واستبدلوها بجلود تنشر فقاعات من الضّحك، لقد ضحكتُ كثيرًا حتّى سقطتُ من الكرسي ولم أكن أتوقع هذا أبدًا أبدًا، حيث من النّادر أن تضحكني مثلاً كوميديا اليوتيوب السعودي.

بالإضافة إلى الممثلين، برع العازف ماجد السّيهاتي في ارتجال موسيقاه بشكل أخّاذ وفاتن، ما يفتنني حقًا هو براعة هؤلاء الشّباب رغم عدم توفّر معاهد أو منشآت داعمة ممّا يعني – ربّما – أنّهم بذلوا جهدًا مضاعفًا لإتقان حرفتهم.

لكنّ مهارة خلق النّص لا تعادل مهارة التمثيل لديهم فهم أضعف في خلق الكلمات، لا أقول بأنّ مستواهم سيّء ولكنّ مستواهم في التمثيل أعلى من مستواهم اللغوي، ولهذا إن كانت لديّ نصيحة لهم فهي: اقرؤوا واسمعوا وتلقّوا الكثير من المصادر النّصية كي تُثروا لغتكم ويصبح لديكم مخزون هائل تستطيعون الاستفادة منه في عروضكم المقبلة.

من جديد أحببت المسرحية كثيرًا وأنوي إن شاء الله حضورها يوم الخميس القادم وأتمنّى أن تدهشني بشكل أكبر ممّا فعلت أوّل مرة.

عندليب ياني

 

أحبّ مقطوعة Nightingale لياني كثيرًا، أحبّ أداءها تحديدًا في حفلة Tribute الأسطورية عام ١٩٩٧، وأظنّ بأنّ بعض أصدقائي يقرأ الآن عنوان هذه التدوّينة وهو يقول : ما زلتِ عالقة هنا يا إحسان؟ ألم تغيّرك كلّ الموسيقى الّتي استمعتِ إليها؟ نعم، ما زلتُ عالقة هنا منذ ١٠ سنوات، ما زال الأثر الّتي تحدثه بي هذه المقطوعة كما هو لم يتغيّر وكأنّي أسمعها للمرّة الأولى .

استلهم ياني هذه المقطوعة من صوت طائر كان يغنّي أمام نافذته عند كلّ شروق للشمس، كان للطائر كما يعبّر ياني مفرداته وألحانه وإيقاعاته، فكّر ياني وقتها بأنّه من المثير للشفقة بأنّنا لا نفهم لغات بعضنا البعض، وبعد عدّة سنوات لمّا استمع ياني لصوت الناي الصّيني اكتشف بأنّ هنالك سمات شخصيّة مشتركة بينه وبين ذلك الطّائر، فقرّر كتابة مقطوعة للنّاي الصّيني باسمه: العندليب.

يتميّز النّاي وآلات النّفخ عمومًا بأنّ الإنسان ينفخ فيها من روحه، وفي هذه المقطوعة يضع العازف الفنزوليّ العبقريّ Pedro Eustache من روحه الكثير، ففي بداية المقطوعة يبدو صوته وكأنّه يحكي تاريخه للآخرين برباط جأش، ثمّ لمّا يبدأ بالبكاء يعزّيه البيانو متبوعًا ببقيّة الآلات لتتحوّل المقطوعة إلى حوار شجيّ بين النّاي وبين الجوقة الموسيقيّة، فهي تشاركه الشجن تارةً، وتتلطّف معه تارة، وتخبره بأن يتوقّف عن المبالغة تارة أخرى.

وعند الدقيقة الخامسة تتفرّد عازفة الكمان كارين بريغز بحوار خاصّ مع عازف التشيلّو أليكسندر زيروف، وأنتَ لا تسمع فقط تفاصيل الحوار وتحسّ به في روحك ولكنّك تراه رؤيا العين أيضًا في تعابير وجهيهما، ومن خلال هذا الحوار يبدأ توحّد أخّاذ ومدهش وساحر بين جميع الآلات بما فيها النّاي، هذا التوحّد المرتفع الإيقاع يبعث القشعريرة وتجربةً شعوريةً لا تُوصف وكأنّ هذه الآلات اتفقت في مشاعرها وآلامها وأفراحها وشجونها ووجودها.

تنتهي المعزوفة كما بدأت بعزف منفرد للنّاي الصّيني، ولكنّك هذه المرّة تحسّ بالعندليب وقد انتهى من أغانيه وقرّر الرّحيل والطّيران.

.

.

لم يستمرّ ياني بالاعتماد على صوت النّاي الصّيني في نسخ أخرى لمقطوعته، بل استبدله بصوت المغنية الأمريكية Lauren Jelencovich المتخصصة في غناء الـ soprano وهو لون غنائيّ يعتمد على الوصول إلى أعلى طبقات صوت المرأة – بحكم أنّ باستطاعة النّساء الوصول إلى درجات مرتفعة من الصّوت أكثر من الرّجال بسبب رقّة أوتارهنّ الصّوتيّة -.

بدأت لاورين بمرافقة ياني في جولاته منذ عام ٢٠١٠ وأذكر جيدًا أنّني لمّا استمعتُ إلى المقطوعة حينها في التّسجيل أعلاه شعرتُ بخيبة أمل شديدة وحزن عميق وكأنّني فقدتُ إلى الأبد إحدى أحبّ الظواهر الكونيّة لي : عزف Pedro Eustache للناي الصّيني في مقطوعة العندليب .

لستُ وحدي من يستشعر عظمة أداء بيدرو، يُقال بأنّ ياني لم يستبدل النّاي الصّيني بصوت بشري إلاّ لأنّ بيدرو توقّف عن الذهاب معه في جولاته بسبب حفلاته وأنشطته الخاصّة، ولمّا لم يجد ياني بديلاً حقيقيًا له استبدله بصوت لاورين، وسواء أكان هذا صحيحًا أم لا فإنّ حضور الفكرة وحدها يدلّ على فرادة بيدرو وعبقريته.

 

رسائل ..

إلى سارة :

كنت أقرأ لك اليوم وأقول لنفسي، أكره المتشائمين جدًا، والمتفائلين جدًا، وأحبّ سارة، ثمّ أردفت: سيكون لسارة شأنٌ ما أنا متأكدة، وضحكت، لأنّني وقفتُ موقف الشامان، أو العرّاف المتغطرس كثير الهذرة.

تعجبينني يا سارة، أنتِ أوّل واحدة من نوعك تعجبني، ربّما أنت فريدة من نوعك أيضًا، متّزنة بشكل قد يجعلك تبدين عاديّة غير مثيرة للاهتمام، ينجذب النّاس للمتطرّفين عادة، الّذين يحملون آراء صادمة غير متوقعة، الّذين يخبرونهم بما لم يتوقّعوا سماعه، لكنّك لستِ كذلك، أنتِ هادئة غير منفعلة لكنّك متحمّسة أيضًا، وأنتِ لا تتّخذين موقفًا أحاديًا للأشياء، حين تنزعجين يبدو انزعاجك لي مركّزًا وعقلانيًا لا مجرّد انفعال شخصيّ، تريدين أن تتعلّمي بصدق، وعلى استعداد عفويّ لتغيير آراءك وتصحيح معلوماتك، وفوق كلّ هذا، أنتِ لستِ – كالكثيرين – مجرّد ردّة فعل، أنتِ فعلٌ قائم على ذاته.

أحبّ الكتب الّتي تقرئينها، والـpodcasts الّتي تستمعين إليها، وأحبّ بهجتك ونشاطك وحركتك المستمرّة، وأحبّ أنّك متدرّبة كارتيه، وأحبّك جدًا.