سينما ذكوريّة؟ ماذا عن سينما تسيطر عليها النّساء؟

في مطلع الحلقة الأولى من المسلسل الشهير Breaking Bad، يظهر بريان كرانستون – والّذي كان يبلغ من العمر آنذاك ٥٢ عامًا – يائسًا، خائفًا، ونصف عار في وسط طريق خال، لم يكن المشهد جذّابًا للعينين وأشكّ بأنّ النّساء قمن بإعادة مشاهدته لكسب متعة بصريّة، فليس للرجل الصّفات الجسديّة الّتي تجعل منه جذّابًا في المعايير المعاصرة على الأقلّ، إنّه مجرّد رجل عاديّ جدًا، لكنّ المشهد كان مهيبًا مؤثّرًا، يشي بطابع المسلسل الّذي استمرّ لخمسة مواسم ناجحة دون تقديم “حلوى بصريّة” للمشاهد، وهذا أحد الأسباب الكثيرة الّذي تجعله المسلسل رقم ١ في مفضّلتي .

منذ رأيت ذلك المشهد، أفكّر كثيرًا، هل يمكن لامرأة خمسينيّة أحدث الزّمن في جسدها ما أحدثه في جسد بريان كرانستون أن تنجح في الفوز ببطولة مسلسل شهير كهذا؟ هل يمكن أن تقف في منتصف طريق خال بفخذين مترهّلين ووجه مجعّد؟ بمكياج لا يظهرها إلاّ أكثر سوءًا ممّا هي عليه في الحقيقة؟ هل يمكن لمسلسل تقوده امرأة عاديّة – عاديّة جدًا – أن يحقّق النّجاح الّذي حقّقه Breaking Bad ؟

ورحت أستعيد أسماء الممثّلين النّاجحين الّذي استمرّ نجاحهم حتّى بعد أن خسروا قوّة وعنفوان أجسادهم، إنّهم كثر، ليس أنّهم خسروا شبابهم ولكنّهم استبدلوه بجاذبيّة الكهولة والشعرات البيضاء، لكنّ الأمر مختلف جدًا بالنّسبة للنساء، إنّ الرّجال ربّما يزدادون جاذبية حين يتقدّمون بالسنّ، أو ربّما أنّ خسارتهم لهذه الجاذبيّة لا تؤثّر دائمًا على نجاحهم الإعلاميّ، لكنّ النساء ينطفئن بمرارة إذا فشلن في الحفاظ على هذه الجاذبية أو إصلاح ما أفسده الزّمن فيها، إنّ المتعة البصريّة الّتي تحققها الممثلة للمشاهد ضروريّة غالبًا، وبدونها تنخفض أسباب ظهورها في عمل ما، ومّما لاحظته، أنّ النّساء غير الجميلات، أو الممتلئات، يفزن بالأدوار الكوميديّة غالبًا حيث يصبح “غياب الجمال” جزءًا مهمًا من شخصيتها .

لا شكّ بأنّني أقول كلامًا مكرّرًا، أعرف هذا، العديد من النسويات وخصوصًا ناقدات السّينما قد سبقنني في جلّ ما قلته هنا، ومن أشهرهنّ على الإطلاق لورا مولفي صاحبة مقال المتعة البصرية والسّينما السرديّة ، وهو مقال جميل بالمناسبة لا تفوّتوا الإطلاع عليه .

لكنّي لا أريد أن أناقش هذا الأمر، ربّما في مقال آخر، ما أريد أن أناقشه هو علاقة الجلاّد والضحيّة بين المرأة والرّجل في هذا السّياق، في المقال آنف الذّكر تتحدّث الكاتبة عن ما تعبّر عنه بسلطة الرّجل الممتدّة حتّى السّينما، عن العلاقة بين الرّجل من حيث هو صانع السّينما والمتلقّي لها، وبين المرأة من حيث هي الأداة المستخدمة في المتعة البصريّةيقول الأستاذ محمّد العبّاس في مقاله الّذي استعرض فيه نظريّة مولفي: “إن تاريخ العدسة السينمائية ذكوري بامتياز، وذلك من خلال التوظيف البارع والمبسط والمباشر للمتعة البصرية، فهي منذورة لتشييء المرأة “، وسؤالي هو إذا كانت هذه هي السّينما الذكوريّة فكيف ستظهر المرأة في سينما تسيطر عليها النّساء؟

هل الرّجال وحدهم هم المسؤولين عن التركيز البصريّ والجنسيّ على المرأة في التلفاز والسّينما؟ وبشكل عام هل الرّجال وحدهم هم المسؤولين عن تكريس محوريّة الجسد في حضور الأنثى في الحياة العامّة حتّى نسمّي هذا السلوك بالـ”ذكوري”؟ أجرؤ على القول بأنّ هذا غير صحيح، بل وزيادة على ذلك، إنّني أحمّل النّساء مسؤولية أكبر في تكريس هذه المحوريّة .

إنّ النّساء مهووسات بالمظهر الأنثويّ، فقبل أن يرفض المخرج – الذكوريّ – امرأة خمسينيّة للقيام بدور البطولة، سوف ترفض هي نفسها أولاً، وربّما قبل ذلك بكثير، سوف يبدأ القلق من “خطوط الوجه التعبيريّة” في الثلاثينات، ثمّ تحصل على عناية تجميلية بتجاعيد الوجه بدءًا من الأربعينات، وفي كلّ مرّة تنظر فيها إلى شقوق بطنها الّتي أحدثتها الولادة، سوف تُهاجمها نوبة إحباط، إنّني لا أنتقد هذا الآن بالمناسبة، لا أظنّ بأنّني سأكون أقلّ قلقًا من تجاعيد وجهي حين أكبر، لكنّ السّؤال الّذي أحاول طرحه هنا: هل تقبل جلّ النّساء ترك جاذبيتهنّ في الخلف والمضيّ إلى مواجهة العالم عبر الكاميرا في دور بطوليّ؟ هل يقبلن القيام بدور بريان كرانستون؟ لماذا يتمّ التّشنيع على الرّجل وحده إذًا؟

ثمّ إنّ المرأة نفسها تحاكم بنات جنسها بناءً على مقوماتهنّ الجسديّة وعلى أعمارهنّ، وهي أقسى أحيانًا في هذه الأحكام من الرّجال الّذين لا يهتمّون بالتّفاصيل الّتي تهتمّ بها النّساء، دقّة المكياج مثلاً وتبعيته للموضة الحاليّة، لم أسمع رجلاً من قبل يعلّق باستهزاء على امرأة بأنّ “فستانها لا يناسب هذا الموسم”، اللهمّ إلاّ إذا كان متخصّصًا في التجميل، لكنّ النّساء يفعلن ذلك، العديد من الفتيات تخشى نظرات “أهل زوجها” أكثر من نظرات الزّوج نفسه، تنتشر عمليات التجميل في مجتمعات غير مختلطة والزّواج ليس هو السّبب الأوّل لانتشارها، وكثيرًا – نعم كثيرًا – ما رأيت فتيات يشنعنّ على رجل أنّه اختار شريكة أقلّ جمالاً منه .

بالإضافة إلى ذلك، الرّغبة بالظهور بمظهر جميل غريزة في النّساء مثل أنّ الرّغبة في الاستمتاع بهذا الجمال هو غريزة في الرّجال، العديد من النّساء الشهيرات وعارضات الأزياء مأخوذات جدًا بدور “المخلوق الجنسيّ الجذّاب”، لا أحد أجبرهنّ على ذلك، إنهنّ سعيدات في ما يفعلنه، سعيدات في تكريس هذه الصّورة عن أنفسهنّ، سعيدات بالتعرّي وبإثارة الآخر، وهنّ كثر، وأجزم أنّ غيرهنّ – ممّن ينتقدهنّ حتّى – لو أوتين الجمال والفرصة لفعلن الشّيء ذاته، هل يمكن أن نعاملهنّ كضحايا لذكوريّة الرّجل؟

إنّ الرّجل حتّى حين يكون ذكوريًا بالمعنى المذكور في المقال فإنّما يخدم أهدافه، إنّه سعيد بكلّ هذا الكمّ من الأجساد المتعرّية في التلفاز، ولا يضرّه بشكل مباشر أن تصبح المرأة حلوى للعينين، فهو ما زال القوّة الحقيقية والفاعلة والمنفّذة في الإنتاج المرئيّ وفي مجالات أخرى عديدة، ما زال قادرًا على تحقيق وجوده دون الحاجة إلى جمال خارجيّ، لكن المرأة حين تلحّ على أهميّة جسدها وتجعله مسيطرًا على بقيّة جوانب كينونتها فهي تضرّ نفسها وتضرّ بنات جنسها وتنسحب إلى الخلف كمخلوق أقلّ من الرّجل .

لا أقول بأنّ على المرأة تهميش جمالها لتتساوى بالرّجل، هذا غير وارد أصلاً، فخلافًا لكثير من المخلوقات – الطّيور مثلاً – تلعب المرأة دور الطّرف الجذّاب والجميل والمغري، لا يمكن أن يتغيّر هذا إلاّ بتغيير هائل في طبيعة الإنسان ولا يعنيني هذا التغيّر بالمناسبة ولا أراه مقنعًا، ما أقوله هو أنّنا لو أردنا للمرأة أن تتجاوز إطار المتعة البصريّة إلى المشاركة الجادّة فلا بدّ أن يبدأ التغيير منها، لا بدّ أن تكفّ النّساء أولاً عن محاكمة أنفسهنّ وبنات جنسهنّ بناءًا على أشكالهنّ، لا بدّ أن تكون المرأة أكثر ثقة بنفسها حتّى حين تفقد كلّ مظاهر الجمال الخارجيّ، ولا بدّ أن تكون قادرة على مواجهة العالم بهذه الثقة .

أمّا الاستمرار في لوم الرّجل وتحميله المسؤولية ولعب دور الضحيّة في هذا السياق فلن يغيّر من الأمر شيء .

عمى أبيض

هذه تجربتي الثّانية – بعد رواية ١٩٨٤ لجورج أوريول – في قراءة رواية أثناء مشاهدة الفيلم الّذي بني عليها في نفس الوقت، خصّصت يوم الجمعة الماضي لهذا الأمر، أقرأ بعض صفحات الرّواية ثمّ أشاهد جزءًا من الفيلم، وهكذا حتّى أنهيتهما خلال دفعتين .

في عام ٢٠٠٥ أو ٢٠٠٦ أوصتني إحدى الصّديقات بقراءة رواية العمى، اطّلعت على ملخّص القصّة وأجّلت قراءتها، ليس لأنّني لم أحبّها، لديّ أسباب أخرى لتأجيل القراءة، إنّنا حين نقرأ كتابًا ننهيه، ومن النّادر أن نعود إلى قراءته مرّة أخرى، وليست لديّ رغبة في إنهاء العديد من الكتب، كما أنّني أحيانًا أنتظر الوقت المناسب للقراءة، فلا يكفي الكتاب أن يكون جيّدًا كي أقرؤه، بل يجب أن يكون المناخ النّفسيّ مستعدًا له أيضًا.

العمى، إنّ أبرز ما في هذه الرواية هي غياب أسماء شخصيّاتها، بالتفكير في “مئة عام من العزلة” مثلاً ندرك كم أنّ هذا الغياب مفيد أحيانًا*، لا يوجد أسماء في رواية العمى، بل صفات بالكاد تُعَرّفنا على أصحابها: الطبيب، زوجة الطبيب، الفتاة ذات النّظارة السوداء، والأعمى الأوّل، أليس غريبًا أن تُقدَّم لنا إحدى أهمّ شخصيات الرواية بهذا الاسم المهمَل: الأعمى الأوّل .

إنّ الكاتب – سأسمّيه الكاتب انتقامًا لشخصياته – أراد بهذا التجريد أنّ ينزع عنهم من ما منحته إيّاهم الحضارة الإنسانيّة، هكذا أتخيّل، فالرّواية تعبير عن الانحطاط الحضاريّ الّذي قد تصل إليه البشرية حين يفقد الجميع أبصارهم، أو هي تعبير عن هشاشة الحضارة الّتي قد تُدمّر فقط بفقدان النّاس لأبصارهم – هل حقًا يكفي أن يحدث هذا كي تموت الحضارة؟ -، يكفّ النّاس عن التعرّف على أماكن الحمّامات فيتغوطون حيثما اتّفق، يفقدون الطريق إلى منازلهم فينامون على الأرصفة، ينقطع عنهم الماء وتتوقف الكهرباء لأنّهم عاجزون حتّى عن تشغيلها، وفي النّهاية يتعفّنون أكوامًا في مخزن الطعام لأنّهم لم يستطيعوا الخروج منه .

هناك مشاهد أخرى في الرواية لهذا الانحطاط لا أستطيع وصفها، ما جعلني أشاهد الفيلم في الحقيقة هو رغبتي برؤية هذا الانحطاط أمام عينيّ، فأن تشاهد أكوام الفضلات المتجمّعة في محجر صحّي للعميان هو أمر يضيف الكثير إلى تجربة القراءة عنها، على الأقلّ بالنّسبة لي، ولو استطعت أن أكثّف التجربة بالوصول إلى الروائح النتنة الّتي انتشرت في الرواية لفعلت ذلك .

زوجة الطبيب هي النّاجي الوحيد من مجزرة العمى، لم تنتقل إليها العدوى ببساطة، لماذا هي وحدها من بين ملايين النّاس؟ هذا سؤال بديهيّ، شخصيًا أظنّ بأنّ الكاتب احتاج إلى شاهد للأحداث، إلى شخص يساعده في بناء الرواية، وإلى زوج من الأعين لقرّائه، وقد اتّفق أن تكون زوجة الطبيب، ربّة البيت العاديّة الّتي لا تتميّز عن الآخرين في الرواية بأيّ شيء، ربّما ما عدا الشفقة المذهلة على الآخرين، لكنّ هذه الشّفقة قد تكون نتاجًا طبيعيًّا لاحتفاظها ببصرها في مجتمع أعمى، الشّعور المعذّب بالذنب لأنّها النّاجية الوحيدة من هذه المأساة – وهو شعور نحسّ به أحيانًا حين نصادف إنسانًا يعاني ممّا لا نعاني منه – أو ربّما أنّها شخصٌ رحيم ومشفق فحسب ظهرت قوّتها في هذه المأساة، فهي في نهاية الأمر امرأة، وما أقوى النّساء بعواطفهنّ .

عندما قرّرت البدء بقراءة هذه الرواية اعتقدتُ بأنّها مثل أغلب الكتب الأخرى الّتي أقرؤها قابلة للتجزئة، أستطيع قراءة صفحتين اليوم، خمسين صفحة غدًا، ثلاثة عشر صفحة في اليوم الّذي يليه … لكنّني عرفت مبكّرًا بأنّني مخطئة فتركتها حتّى أتفرّغ تمامًا لقراءتها في يوم أو يومين، قلتُ لصديقتي: إنّ هذه الرواية لا تُقرأ لمعرفة الأحداث، بل تُقرأ لعيش التجربة، تجربة العمى، تجربة الانحطاط الّذي يفترضه الكاتب، وحين تفرّغت لها فكّرت بأنّني لو أردتُ أن أكتب نصّا لفيلم فسوف يكون مبنيًا عليها، لا شكّ أنّ غيري فكّر بذلك أيضًا، بطريقة أعمق وأكثر جدّية، هكذا بحثت عن الفيلم وقررت مشاهدته أثناء القراءة .

مثل كلّ الأفلام المبنيّة على الروايات هناك اختصار للأحداث واختصار أكبر للكلمات، لكنّ فيلم العمى يتلاعب أيضًا في توقيت الأحداث ولا أدري لماذا، لا يوجد هدف واضح لهذا التلاعب، كما أنّه أضاف مشهدًا دخيلاً للقصّة، لكنّه بشكل عام جميل جدًا، لم يؤثّر في تجربة القراءة سلبيًا لكنّه أثراها وأغناها وهذا ما هو مفترض من الأفلام أن تفعل .

أخيرًا، بدأت بقراءة رواية أخرى للكاتب وهي “انقطاعات الموت”، لا أشعر بأنّني سأحبّها مثلما أحببت العمى، رغم أنّ بداية الرواية الصادمة أذهلتني – يتميّز الكاتب بهذه الصّدمات المباشرة -، لكن، لا أدري، يوجد أيضًا جزء آخر من رواية العمى وهو البصيرة أو Seeing أتوق لقراءته، أنوي إنهاء أعماله البارزة في الفترة القادمة، كتبت هذه المراجعة المزدوجة على عجل، شكرًا جزيلاً لإعطائي جزءًا من وقتكم لقراءتها، إلى اللقاء .

* الأسماء في رواية مئة عام من العزلة كثيرة ومكرّرة بشكل مزعج للقارئ، أوممتع ربّما.

Balm Cal، عالم صوفي، عن الكروشيه وأشياء أخرى

IMG_0461

كنتُ قد كتبتُ العام الماضي مرّتين عن مشروع  Balm Cal 2015 الّذي انضممت إليه في مجتمع Raverly لفنون الحياكة، كان من المفترض أيضًا أن أنهي المشروع في نفس العام، لكنّي لم أنجح في ذلك إلاّ هذا الشّهر، لأسباب كثيرة منها أنّي بدأت متأخّرة أصلاً في تنفيذ المشروع حيث بدأته في شهر ٦ بدلاً من ١ متأخّرة ٥ أشهر عن الآخرين، ومنها انشغالي الشديد خلال الأشهر الأخيرة من ٢٠١٥، ومنها – وهذا ما أردتُ تأجيل الحديث عنه – هو شعوري السّريع بالملل من المشاريع الطويلة، في الحقيقة لا أكاد أصدّق أنّني أنهيت مشروعًا بهذا الحجم خلال كلّ هذه الأشهر، في أوقات كثيرة شعرتُ بأنّني لن أنهيه أبدًا، سألت نفسي أكثر من مرّة : إحسان، خلّيكِ جادّة، هل تتخيّلي بطانية بهذا الحجم من عملك انتِ؟ وكانت الإجابة الأكثر تكرارًا هي صورة لوحدات الكروشيه مكدّسة أكثر فأكثر في الصّندوق الصّغير الّذي خصصته لها .

في منتصف عملي على المشروع ذهبتُ لشراء خيوط قطن رفيعة جدًا رغم أنّي أعرف بأنّي لم أكن لأستخدمها في وقت قريب، لماذا؟ لأنّني استخدمت في المشروع خيوط أكريليك سميكة وشعرت بحنين جارف للخيوط القطنية الرفيعة، ليس لأنّني أفضّلها دائمًا لكنّ الأمر أنّي اشتقت العمل عليها فحسب .

وفي بداية هذا العام، قررتُ مع صديقاتي في نادي الكروشيه تنفيذ مشروع خاصّ بعام ٢٠١٦، وقع اختيارنا بعد جدل ليس بطويل على مشروع عالم صوفي، كنتُ قد فكّرت بأنّه من الأسلم أن أبدأ متأخّرة عنهنّ بعد أن أنهي ما بين يديّ، لكنّني .. لم أفعل ذلك، حدث الأمر هكذا ببساطة: استيقظتُ في أحد الأيّام عند السّاعة الثّانية فجرًا، كنت عاجزة عن  العودة إلى النّوم، نهضتُ من السّرير، فتحتُ جهازي على الموقع الرّسمي لعالم صوفي وبدأت في العمل، لم أتوقّف حتّى أصبحت السّاعة السّادسة فجرًا وكنتُ حينها قد أنهيت ثلاثة أجزاء من أصل أربعة من حديقة صوفي ! كان عليهم أن يخبرونا في رأس الصفحة: تحذير ! هذا العمل إدمانيّ !

IMG_0075

كشخص لم ينه بعد واجب العام الماضي كيف استطعت إضافة واجب جديد؟ لا أعرف، كلّ ما أعرفه هو أنّ هذا الأمر على سوئه إلاّ أنّه يشبهني جدًا، أستطيع رؤية نفسي في هذا التصرّف بجلاء وهذا مريح لشخص متصالح مع نفسه، كانت أسئلتي لتكبر لو حدث العكس .

أثناء العمل على المشروع أيضًا قمتُ بتنفيذ دمية، لأكون أكثر دقّة: حاولتُ تنفيذها ثمّ تركتها، لا أعرف إذا كان هنالك فرصة للعودة بيننا، لقد قمتُ باقتلاع عينيها، بكلّ ما تحمله كلمة اقتلاع من وحشية، أردتُ تنفيذ عينين واقعيتين لكنّهما لم تقنعاني، كان شعرها جيدًا رغم ذلك، لكن ما نفع شعر جيّد لدمية بلا عينين؟ كنت سأضع صورة لها هنا، لكنّي فكرت، لو كنتُ هذه الدمية لما رغبتُ بأن ينشر الآخرون صوري في مدوّناتهم .

نسيتُ أن أذكر مفرشًا عملتُ عليه العام الماضي أيضًا باستخدام خيط مصنوع من البوليمايد والمايكروفايبر، هذا المفرش كبير – ثاني أكبر عمل قمت بتنفيذه حتّى الآن  -، وقد نفذت منّي الخيوط قبل أن أنهيه للأسف، لا توجد لديّ صورة كاملة له حاليًا، لا أعلم إذا كنت سأنشر هذه التدوينة قبل الحصول على فرصة لالتقاط صورة مناسبة له.

IMG_0076

من الواضح أنّ التّصوير هو قضيّة صعبة بالنّسبة لي ومستفزّة، أتمنى لو كان باستطاعة القطع التقاط سيلفي جيّد لنفسها وإنهاء الأمر، في الواقع صورتين من الصّور أعلاه من تصوير إحدى الصّديقات، ربّما يكون تصوير القطع الصّغيرة أسهل نسبيًا، لكنّ القطع الكبيرة كهذه، أوه لا ! مجرّد التفكير في الأمر هو عمل شاقّ عليّ.

أظنّ أنّني كتبت كثيرًا وهذا مزعج لي ولكم، سأتحدّث عن البطانيّة بالتفصيل في تدوينة أخرى، ربّما عن عالم صوفي أيضًا وسأجلب المزيد من الصور الجميلة للمفرش أعلاه .. ربّما، إلى اللقاء.

قراءة لكتاب “أربعة عقود من اليأس” لـ مشاري الإبراهيم

مدخل :

بشكل غير مخطّط له طلب منّي الأخ مشاري الإبراهيم رأيي في روايته الأولى “أربعة عقود من اليأس”، كتبتُ له رسالة تلخّص رأيي في ما قرأته وأظنّ بأنّ هذه الرّسالة تستحقّ النّشر في المدوّنة.

أقدّر لمشاري كثيرًا أنّه استقبل رأيي كأحسن ما يكون الاستقبال، وقد شكرني على “لطفي” وهذا شيء لم أتوقّعه أبدًا 😁، فلستُ لطيفة حين يتعلّق الأمر بكتابة آرائي، أو ربّما لأقولها بشكل أدقّ : لستُ باللطافة الّتي أكون عليها عادة.

 

السّلام عليكم

مرحبًا مشاري

أشعر أحيانًا بأنّه لا فائدة من النّقد، إنّنا لن نغيّر ما كتبناه أو صنعناه أو رسمناه بشغف وحبّ لمجرّد أنّ شخصًا غريبًا أخبرنا بأنّنا لم نفعل شيئًا ما بشكل جيّد بما فيه الكفاية.

ليست لي تجارب في تأليف الكتب، إنّني أكتب نصوصًا ومقالات، وقد قلتُ منذ وقتٍ غير بعيد: ” أحمل امتنانًا عميقًا لقرّائي يشبه الامتنان الّذي تحمله الأمّهات تجاه من يقدّر أطفالهنّ أو حتّى من يمنحهم بعض الحلوى، أليست كلماتنا أطفالنا على أيّة حال؟ “، وأنا أعرف جيدًا وأعي الشّعور الّذي تحمله تجاه كتابك، هذا الشّعور الّذي حملك على نشر نسخة الكترونية منه بهذه الطريقة “المجازفة”، لذلك أيًّا كان الرّأي الّذي سأبديه لك فهو لا يعني التّقليل من شأنه، كما أنّي لستُ ناقدة على كلّ حال أنا مجرّد قارئة ترغب في إبداء رأيها بصراحة في ما كتبته.

في الحقيقة أثار كتابك اهتمامي بطريقة ما، ربّما لأنّ “أشعار” قامت بنشر اقتباس لك؟ وأشعار صديقة تعني لي الكثير، أو ربّما لأنّ لغة وموضع الكتاب مختلفة عن المواضيع المطروحة في الكتب المنشورة مؤخرًا؟، أو ربّما أنّ الأمر حدث هكذا فقط، أثار الكتاب اهتمامي.

موضوع الكتاب ولغته تعتبر جيّدة خصوصًا وأنّها أوّل محاولة لك، لكن دعني بكلّ صدق ووضوح أعرض عليك مقاطع الضعف الّتي وجدتها في روايتك، أتمنّى أن تتقبّلها بصدر رحب:

١. هناك فرق كبير بين كتابة الروايات وكتابة الخواطر، وكتابك – حتّى صفحة ١٠٠ تقريبًا – أقرب للخواطر منه إلى الرّواية.

٢. لا أستطيع أن أصف لك مدى إنزعاجي من لغة الشكوى الّتي تغرق فيها الرّواية، التعبير الإنشائيّ المفرط عن الحزن، كنت أتمنّى بحق أن يتجاوز الكتاب استهلاك الحزن والشكوى بهذه الطريقة، نعم أعرف بأنّك أردت أن يفهم القارئ مدى الضياع الّذي شعر اللقيط به، لكن كان يمكنك استخدام أسلوب روائيّ آخر لهذا، بشكل عام كما كتبت في النّقطة الأولى، الرواية يجب أن تعتمد على الأحداث وبناء الشخصيات والحوارات القصيرة لا الخواطر المسهبة.

٣. أعتب عليك بشدّة نسخ بعض المقاطع الحواريّة بين (ملحد / مؤمن) ووضعها في الكتاب مثل:

– قل لي ماذا سيكون شعورك لو اكتشفت بأنّ الآخرة وهم.
– ليس أسوأ من شعورك حين تكتشف بأنّها حقيقة.

وبعض الأمثلة الّتي سردتها في روايتك لم تكن من بنات أفكارك، هذا من أكثر الأمور الّتي أزعجتني.

٤. لا أستطيع أن أملي عليك القضايا الّتي تتحدّث عنها في روايتك، ولكنّي سأقول رأيي كقارئة، كان تركيز الرواية حول العلاقة بين البطل والنّساء محبطًا ومملاً، في رأيي أنّ مشاكل اللقيط الوجودية أعمق بكثير من مشكلة الزواج والحبّ هذا أولاً، ليس استهانة بهذه المشكلة لكنّي أقول أنّها ليست المشكلة الوحيدة وليست الأكثر أهميّة وليست أيضًا مشكلة يتفرّد بها اللقطاء، لو استعرضت عبر الأحداث أكثر من مشكلة يمرّ بها اللقيط لكان أفضل بكثير، بكلّ صراحة الكتاب بالنّسبة لي هو كتاب رومانسيّ أكثر من كونه أيّ شيء آخر، لكثرة الإسراف في الحديث عن علاقة النساء بالبطل.

ليس هذا فحسب، فحتّى شخصيّات الرّجال في الرواية – أصدقاء مشعل – لم يكن لهم حضور حقيقيّ بكل كانوا مجرّد أدوات استخدمتها لتمرير جدليّة الإلحاد والإيمان.

قارن بين الوصف الدقيق لجسد ماريا وحضورها وبين الوصف المستعجل الّذي حضي به هؤلاء الرّجال، سأقولها لك بصدق، بدا الأمر لي كخيال مراهق مبتعث يحلم بلقاء فتاة أوروبية جميلة، ذكيّة وكما كتبت في روايتك “مثقفة”.

قرأتُ حتّى صفحة ١٤٠، لم أحبّ الرواية منذ اللحظة الّتي ابتدأتها بـ ” نظرتُ إلى عينيها بعمق شديد، شيء ما قد تغيّر “، إذا أردتُ قراءة رواية رومانسيّة فسأتّجه لرفّ الروايات الرومنسية، ولكنّي استمرّيت في إعطاءها الفرصة تلوى الأخرى حتّى شعرتُ في النهاية بأنّه ليس كتابًا سأحبّ أن أقرأه بسبب الإسراف في التركيز على الجانب العاطفي من البطل.

بالنّسبة لي كانت أجزاء الرواية عبارة عن:
١. خواطر البطل وما تحمله من شكوى وحزن.
٢. حوارات طويلة قرأتُ كثيرًا من محتواها وأفكارها في مصادر مختلفة من قبل.
٣. الحبّ والنّساء.
٤. القليل جدًا من الأحداث.

أقترح عليك في روايتك القادمة أن تقرأ حول تقنيات الرواية بشكل أكبر أو أن تأخذ course في الكتابة الروائيّة، أن تكثر القراءة في روايات “الضياع الديني”، ولو استطعت كذلك أن تلتقي بـ”سعود السنعوسي” صاحب “ساق البامبو” فأشجّعك كثيرًا على أخذ بعض الخبرة منه، فساق البامبو شبيهة في بعض جوانبها بقصّة بطلك.

أعتذر إن كان أسلوبي مؤذيًا أو جارحًا أو محبطًا، لقد ترددت كثيرًا في إرسال هذه الرسالة، أتمنّى أن لا تنزعج منّي، أتطلّع لعمل أفضل السنة القادمة.

إحسان

 

النّجاح، صناعة الّنجوم أم صناعة المؤثّرين؟

أشعر أحيانًا – ربّما أكون مخطئة – بأنّ أكثر النّاس حين يتحدّثون عن النّجاح فإنّما يعنون: ” نجوميّة النّاجح “، أن يعترف الآخرون بك، أن تكون شخصًا مشهورًا بطريقة ما، أن تكون ناجحًا بشكل مبهرج غير اعتياديّ ولا مألوف حيث تصبح لك قصّة تستحقّ أن تُروى، ممتعة للسامعين، أو كما يقولون: ملهمة.

الأمر كلّه إذًا يدور حول الطّريقة الّتي اخترتها لتروي القصّة، الألفاظ الّتي انتقيتها، الأمور الّتي قرّرت أن تركّز الضّوء عليها، كيف استطعت أن توحي للمستمعين بأنّك شخص “غير اعتياديّ” وكيف نجحت في إثارة حماسهم وعاطفتهم، ربّما بسبب مرضٍ أُصبت به في طفولتك أكّد للنّاس بأنّك نجحت رغم اختلاف ظروفك عنهم، أو ربّما بسبب وفاة شخص عزيز عليك، أو ربّما بحديثك عن فقر والديك وظروف نشأتك الصّعبة، في جميع الأحوال أنت تحتاج إلى حبكةٍ مؤثّرة كي يصفّق الآخرون لنجاحك.

ولأنّ النّاس تميل إلى هذه الحبكة أكثر من ميلها إلى النّجاح ذاته، فهناك الكثير من النّاجحين والمؤثّرين الّذين يعرفهم النّاس بالكاد، لماذا؟ لأنّ قصصهم مملّة، تحتوي على تفاصيل عمليّة وعلميّة أكثر من التّفاصيل العاطفيّة، ليس لديهم ما يقولونه عن كفاحهم، لا بسبب غياب هذا الكفاح، ولكن لأنّه كفاح غير دراميّ، إنّهم ناجحون، لكنّهم ليسوا نجومًا.

هناك فرق بين السّعي للنجوميّة والسّعي للنجاح والتّأثير، أنت لا تحتاج إلى قصّة مشوّقة، لا تحتاج لأن تكون شخصًا متفرّدًا، ولا لأن تكون لديك قدرة خطابيّة ساحرة، ولا حتّى لأن يعرفك النّاس كي تكون مؤثّرًا بينهم.

نجاحك في إزاحة الحصى الصّغيرة عن طريقك كلّ يوم، نجاحك في التوفيق بين واجباتك الأسريّة وعملك، نجاحك في إصلاح خلل أخلاقيّ تعاني منه، نجاحك في إعانة صديق أو غريب، نجاحك في الاستيقاظ مبكرًا كلّ صباح رغم كلّ الضّغوطات الّتي ألحّت عليك بالسّهر، نجاحك في عمل لا تحبّه فقط من أجل إعالة أسرتك، أو حتّى من أجل ألاّ تكون عالة على الآخرين، نجاحك الهادئ الصّامت يستحقّ السّعي والكفاح والتّعب، ويستحقّ الإشادة.

نصّ عصيّ على الانتهاء

27573031

اللوحة لـ Leon Ferrari

 

أبالغ إذا قلت أنّه يكفيني من الحياة أنّي أكتب، ولكنّي أصدق أحيانًا حين أقول “يكفيني من يومي أنّي كتبتُ شيئًا”، الكتابة رفّ إضافيّ، ذاكرة زائدة حين يمتلئ الذّهن بالأفكار وننسى كيف ابتدأ كلّ هذا، الكتابة هي جوابٌ لطيف لسؤال “كيف نفكّر؟”.

عن ماذا كنت أبحث في الكتابة أوّل مرّة؟ أن أشير بيديّ إلى الآخرين هكذا: “أنا هنا اسمعوني”، ثمّ السّعار الرهيب الّذي أصابني : ” يجب أن تعرفوا بأنّي على حق، أنتم مخطئين، أنا هنا لإنقاذكم “، لم يدم هذا السّعار طويلاً، تلاشى خلف سحر النّصوص الأدبيّة الّتي تشغل صاحبها بنفسه، يحزنني أنّني خسرتُ تلك اللغة الأدبيّة وصرتُ أمارس الكتابة مثلما أمارس الرياضيّات، الأمر أنّني لم أعد أكذب كثيرًا والأدب هو أن تكذب بصورة تدهش الآخرين.

كتبتُ في تلك السّنوات نصًّا مستلهمًا من قصيدة عبدالعزيز المقالح “ابتهالات”، عنونته بمقطع من القصيدة يقول: ” لم يعد مستقيمًا شعاع الصّباح”، ولو كتبتُ هذا النصّ الآن لسألت نفسي: هل يبدو لكِ شعاع الصّباح معوّجًا؟، لكنّ الكاتب أراد الاستعارة فقط، لقد كنتُ مهووسة بالاستعارات وهذا جانبٌ آخر في قدرتي الأدبيّة آنذاك، لكنّ السّؤال التّالي هو: “في سياق تشبيه الشاعر، هل كان شعاع الصّباح مستقيمًا قطّ؟”.

لا. يميل كثير من النّاس إلى تصوير النّكبة الإنسانيّة كطارئ حديث، ففي الماضي كانت الأمور بخير، لم يكن الإنسان بهذه الوحشيّة، كان الجيران متحابّون ومتعاونون، لم يكن مصطلح الطائفيّة قد اخترع بعد، أمّا الحروب فلم تكن بهذه الوحشيّة، كان الإنسان أقلّ شجعًا وأقلّ مادّية، وكان شعاع الصّباح مستقيمًا. لكن أيّ ماض هذا الّذي يتحدّثون عنه؟ في رأيي، أيًّا كان هذا الماضي فهو صورة للـ “الأزل”، يريد النّاس أن يقولوا بأنّ الحياة في الأزل كانت في خير ورحمة وسلام وأمان، أمّا الشرّ فطارئ حديث، ليس حديثًا جدًا لكنّنا إذا عدنا إلى نقطة البداية فلن نجده ولذلك فهو حرّيٌّ بالطرد، ولو كان الشرّ موجودًا منذ البداية فهذا يعني أزليّته، وكم يبدو هذا موحشًا ومخيبًا.

نعود إلى الكتابة عن الكتابة، ورغم أنّني هنا الآن، ورغم أنّني لم أكفّ لحظة عن أن أكون، إلاّ أنّني حين لا أكتب أشعر بأنّني لا مرئيّة، أشعر بانقطاع رهيب، وبمسافة هائلة تفصلني عن العالم، هناك ألوان مختلفة من “الوجود”، أحدها بالنّسبة لي “أنا أكتب يعني أنا موجود”، لكنّني أقابل هذا الوجود بوجود أكثر حدّية وصرامة “أنا أعمل يعني أنا موجود”، والكلام أحيانًا يصبح نقيضًا للعمل، ولذلك أتوقّف عن القراءة، الكتابة، تأخذ اللقاءات مع الأصدقاء شكلاً عمليًّا واضحًا وهذا يجعلني أكثر عزلة وانكفاءًا، أكسر هذه القاعدة أحيانًا لإيماني بأنّ الإنسان حيوانُ اجتماعيّ، وحين أفعل ذلك تزداد عندي حدّة اكتئاب “ما بعد المناسبات الاجتماعيّة”.

أدور في دوّامة هذين الوجودين، وعلى عكس الأدباء العدميين، إنّني أعرف جيدًا وأعي بأنّ الكتابة هي الشّكل الأكثر وضوحًا للتّواصل مع العالم، ولذلك أنا لا أكتب بسبب حاجتي للانعزال عن الآخرين، أنا أكتب لأتواصل معهم،وعلى عكس الأدباء العدميين أيضًا، أنا شخصٌ سعيدٌ .. غالبًا.

لا أقول ذلك متبجّحة فعدد قرّائي لا يمنحني الفرصة الكافية للتبجّح، لكنّ معرفة أنّ هنالك من ينتظر القراءة لي يمنحني دافعًا كبيرًا للنشر، حين يعاتبني أحدهم لأنّني لا أكتب أشعر بانفعال خاصّ لا أعرف اسمًا له، أقلّب مسوّداتي بخجل بحثًا عمّا يمكنني أن أعطيه إيّاه، أريد أن أخبره بأنّني “آسفة” وممتنّة، إنّني أحمل امتنانًا عميقًا لقرّائي يشبه الامتنان الّذي تحمله الأمّهات تجاه من يقدّر أطفالهنّ أو حتّى من يمنحهم بعض الحلوى، أليست كلماتنا أطفالنا على أيّة حال؟

رسالة هيرمان هسه لوالديه بعد محاولته الانتحار

في عام ١٨٩٢، أي عندما كان في الخامس عشرة من عمره، اشترى الرّوائي الألمانيّ هيرمان هسه مسدسًا وحاول إطلاق النّار على نفسه بسبب مقته الشّديد للإكليركية الّتي أُرسل إليها تلميذًا في مدينة ستيتن في ألمانيا، لكنّه فشل في الانتحار وكتب حينها العديد من الرّسائل لوالديه نُشرت في كتاب Soul of The Age الّذي ضمّ معظم رسائل هسه منذ مراهقته وحتى موته، لستُ مترجمة جيّدة، لستُ مترجمة حتّى، ولكنّي بكيتُ كثيرًا حين قرأت بعض هذه الرّسائل، وأحببتُ أن أنقل في مدوّنتي واحدة منها، كما فهمتها.

image

ثيو* وكارل زاراني اليوم، قال ثيو بأنّكما أصبتما بالاكتئاب بسببي، لا يوجد هناك سبب للاعتقاد بأنّني كائن مبهج بشكل خاصّ، فلا يوجد شيء كنت سأدّخره مقابل الموت، مقابل النسيان الأبديّ**.

قال أيضًا بأنّ عليّ التضرّع لغفرانكما، لكنّني لن أفعل ذلك تحت الظّروف الحاليّة، وبشكل دقيق بينما لا أزال هنا في مدينة ستيتن. إنّ وضعي مأساوي، المستقبل موحش، الماضي موحش، والحاضر شيطانيّ! أوه، فقط لو أنّ تلك الرّصاصة المشؤومة عبرت رأسي المعذّب.

عام مقدّر بالمرض هو عام ١٨٩٢، لقد بدأ على نحو كئيب في الاكليريكية أُتبع بأسابيع هانئة في مدينة بول، خذلان في الحبّ، ثمّ النّتيجة المفاجأة! لقد خسرت كلّ شيء: المنزل، الأبوين، الحبّ، الإيمان، الأمل، وحتّى نفسي. بصراحة شديدة، أستطيع أن أرى وأُعجب بتضحياتكما، لكنّ حبًا حقيقيًا؟ لا – بالنّسبة لي مدينة ستيتن مثل الجحيم، إن كانت الحياة تستحقّ أن تُهدر، إن لم تكن الحياة وهمًا وضلالاً، مبهجة أحيانًا، نكدةٌ أحيانًا – وددتُ لو سحقت جمجمتي على هذه الحيطان الّتي تفصلني عن نفسي.

ثمّ جاء خريف موحش وشتاءٌ أسود. نعم، نعم، الخريف هنا هو خريف في الطبيعة وخريف في القلب: الأزهار تسقط أرضًا، والجمال يتلاشى تاركًا فقط قشعريرة باردة. هناك المئات من المعتوهين منتزعَي الإنسانيّة هنا، لكنّني الوحيد الّذي يحمل هذه العاطفة. تمنّيتُ تقريبًا لو أنّني كنتُ مجنونًا، كم سيكون ذلك جميلاً، نسيان ناعس لكلّ شيء دون استثناء، كلّ اللذائذ والأشجان، الحياة والألم، الحبّ والكراهيّة!

على كلّ حال، لقد كنتُ أثرثر لوقت طويل. بائس؟ لا، بارد هو ما أريد أن أكون عليه، بارد برود الثّلج تجاه كلّ أحد، كلّ أحد قطعيًا. لكنّكما سجّانيّ، لذلك لا أستطيع توجيه هذه الشكوى لكما، الوداع .. الوداع .. أودّ لو أكون وحيدًا، أنا فزع من هؤلاء الأشخاص، لا تخبروا أحدًا كم أنّني متعب حدّ الموت هنا، كم أنّني تعس! إمّا أن تتركوني وشأني أنهار هنا مثل كلب مسعور، أو أن تتصرّفا كوالدين! لا يمكنني أن أكون ابنًا في الوقت الحاليّ، إنّ عليّ أن أقاتل وأتحدّى سوء حظّي، مرّة أخرى، تصرّفا كوالدين لكن – لما لا تقتلاني بشكل أسرع عوضًا عن ذلك؟

لا أستطيع الكتابة أكثر من ذلك. سوف يتعيّن عليّ أن أبكي، وأشدّ ما أرغب به هو أن أكون ميّتًا وباردًا.

………….

* ثيو هو أخ الروائي غير الشقيق.
** استخدم المترجم من الألمانية إلى الإنجليزية هنا مصطلح Lethe وهو اسم نهر أسطوري من شرب منه نسي كل شيء ويراد به النسيان الأبدي.