تأمّلات في سورة هود (١)

كنتُ صغيرة حين قرأتُ لأوّل مرّة قول رسول الله صلّى الله عليه وسلّم ” شيّبتني هود وأخواتها “، أظنّ أنّ ذلك كان في بطاقة للأسئلة والمعلومات حول ( أخوات هود )، أمّا أخواتها فهنّ المرسلات والتكوير والواقعة وعمّ، سورٌ قصيرة اعتدنا على قراءتها أو حفظها صغارًا، وأمّا هود فقد كانت سورة بعيدة عن إدراكي، طويلة وصعبة بالنّسبة لطفلة، لم أعرف حينها – ربّما لم أتساءل كثيرًا حتّى – لماذا شيّبت هودٌ محمّدًا صلّى الله عليه وسلّم ؟ قِيل لي بسبب اشتمالها أهوال القيامة أو قصص الأنبياء وأحوالهم، ولم أقتنع بتلك الإجابة، فليست هودٌ وحدها من احتوت ذلك، ومع هذا لم أعطِ السّورة أيّ اهتمام لسنين عديدة !

لكنّ الله يحبّني ! ربّما هذا هو التّفسير الوحيد لمنحه إيّاي رحلةً خاصّة مع سورة هود، والآن أعجز عن وصف عظمة هذه السّورة، لقد سدّت ثقوب روحٍ منهكة وأجابت عن الكثير من أسئلتها، وفوق ذلك أخبرتني عمّا لا أعرفه عن الله، وعن الأنبياء وعن النّاس، لا أدري كيف أصف ما فعلته بي سوى بكتابة شيء من التأمّلات في بعض آيات هذه السّورة .

.

.

” وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى الله كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ الله عَلَى الظَّالِمِينَ  “

هل أظلم ممّن يفتري على الله ؟ ينسب إليه ما يتعالى الله عنه، يتحدّث كوكيل بين النّاس عن ربّهم، يظلم باسم الله، يستبدّ باسم الله، يقتل باسم الله، يسرق باسم الله، يدخل من يشاء في رحمة الله، ويطرد من يشاء من جنّة الله، ينصّب نفسه وسيطًا بين الآخرين وبين الله: أيّها النّاس، لا تعبدوا الله إلاّ كما أعبده، لا تحبّوه إلاّ كما أحبّه، لا تتعرّفوا إليه إلاّ كما أعرفه، فيسدّ كلّ الطّرق الّتي تؤدّي إلى الله ولا يترك للنّاس إلاّ الطّريق الّذي يظنّه هو صالحًا !

يوم الفصل سوف يأتي كلّ أولئك الّذين خُدعوا وظُلموا باسم الله، سوف يكونون أشهادًا على الظالمين ويلعنونهم، لأنّ وجود أولئك هو من شوّه صورة الله في عيون الكثيرين، ولأنّ الله لا يرضى بأن يشرك به شيء فكيف يرضى عن الّذين نصبوا أنفسهم آلهة للأرض؟

.

.
” أُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُواْ أَنفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ “

ليس في الدّنيا أقسى من خسران المرء نفسَه، إنّ هذه الخسارة مرادفة لفقدان الإنسان الله، تلك اللحظة الّتي يفلتُ فيها الحبل الموصول بينك وبينه، الحبل الّذي ناولك إيّاه مذ كنتَ في رحم أمّك !

لذلك، مهما تغيّرت وتبدّلت لا تخسر نفسك، الطريق الّذي يؤدّي إليها هو ذات الطريق الّذي يؤدّي إلى الله، لأنّ طريق الله فطرتها وسنّتها وما جُبلت عليه، لا تكترث بجميع أولئك الّذين سيجرّونك إليهم بعيدًا عن هذا الطّريق، الّذين يفعلون ذلك باسم شهوات نفسك ومتعتها، أو الّذين يفعلون ذلك باسم الله وعذابه !

.

.

“وَلاَ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلاَ أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلاَ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٌ وَلاَ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزْدَرِي أَعْيُنُكُمْ لَن يُؤْتِيَهُمُ اللَّهُ خَيْرًا اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا فِي أَنفُسِهِمْ إِنِّي إِذًا لَّمِنَ الظَّالِمِينَ”

المتأمّل في خطاب أنبياء الله في سورة هود، يعرف بأنّ كثيرًا من الدعاة إلى الله اليوم يهرفون في واد آخر تتبرّئ منه مقاصد الأنبياء ولغاتهم، هنا ببساطة يخبر نوح قومه بأنّه لا يملك خزائن الله ولا يعلم الغيب، بينما يوهمنا أولئك بالعكس تمامًا ! فهم لا يملكون خزائن الله وحسب، لكنّهم وحدهم من يحقّ لهم فتحها والعبث فيها واستقراء الغيب المخبّئ في صدور النّاس !

ولأنّه لا يملك كلّ هذا، لم يستطع أن يساير قومه فيقول أنّ الله لن يؤتِ أتباعه الضّعفاء خيرا، والملفت أنّه لم يجزم أيضًا بأنّ الله سوف يؤتيهم إيّاه طالما أنّهم اتّبعوه، بل قال بوضوح وقوّة : الله أعلم بما في أنفسهم .

أولئك الّذين هم في عيوننا أقلّ علمًا أو عملاً أو جاهًا أو “لحية”، نعاود ما فعله قوم نوح منذ آلاف السّنوات معهم، نزدريهم وننفتخ أمامهم، معتقدين أنّنا أعظم عند الله منهم وأنّه من المستحيل أن يكون الحقّ في ما يفعلونه لا في ما نفعله، كم نمارس هذا هذا النوع القبيح من الكبر ونحن لا ندري !

.

.

” وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلاَ تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِنَّهُم مُّغْرَقُونَ “

يا رحمة الأنبياء بأقوامهم، يا صدق عزمهم في إنجادهم، يا خوفهم الصّادق عليهم، حتّى أنّ الله يطلب من نوح  مسبقًا ألاّ يخاطبه في الّذين ظلموا وألاّ يستشفع لهم عنده، رغم أنّهم أذوه وأذوا أتباعه وسخروا منهم، لقد كان الله يفهم هذه الرّحمة الّتي أودعها قلب هذا النبيّ الرقيق !

نوحٌ الّذي دعا قومه أكثر من ألف سنة ولقي منهم ما لقي، لم يتمنّ أن يعذّبهم الله ويغرقهم، بينما كثيرٌ من النّاس يتمنّ هذا لقومه ” المسلمين وغير المسلمين ” وهو لم يكلّف نفسه من الصّبر ذرة ممّا تكلّفه نوح، بل وقد يكون هوَ سببًا في نفور النّاس من عبادة الله !

.

.

6 أفكار على ”تأمّلات في سورة هود (١)

  1. جميل ماكتبت….فقط عبارتان لم استسغهما:
    طويلة ومملة بالنسبة لطفلة…ياريت تعدل كلمة مملة فأنت تتحدثين عن سورة في كتاب الله سبحانه تعالى…لابأس في المبالغة بالتآدب ولن تعدمي كلمة أرق.
    إن هذه الخسارة مرادفة لفقدان الله…ياحبذا لوأضفتي كلمة الإنسان بعد كلمة فقدان حتى لاتضاف كلمة فقدان للفظ الجلالة الله سبحانه تعالى.
    تذكري أن تضيفي ألفاظ التنزيه والتعظيم بعد ذكر لفظ الجلالة…أجد النص خال منها تماما
    أحبك…….ماما

  2. انتظر البقية…….ولاكن أتسأل؟؟
    اذا هم اجرموا وغلطوا فما ذنبها! لما تحمل كل هذا الغضب اشتقت لجمالها فهي الطف كما اعرفها عذبة الكلمات واضحة البيان رقيقة الإحساس كما عودتني دائماً اترنم في افكارها

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s