“الحرّيّة” في حقل الشّوفان ..

لديّ طاقة هائلةٌ جدًا للكتابة، أعني بأنّني أرغب بالكتابة الآن أكثر ممّا أرغب بأيّ شيء آخر، وغالبًا حين تمسسني رغبة كهذه، يكون قد اجتمع عليّ أمران: تجربةٌ عميقة، وكتابٌ ع .

والكتاب الّذي بين يديّ الآن هو كتاب ( الحارس في حقل الشّوفان )، روايةٌ بسيطة للقاصّ الأمريكيّ ج.د. سلاينجر، وعندما أقول بسيطة فأنا أعني بأنّها مجرّد ثرثرة على لسان بطلٍ عاديّ، مراهقٌ أمريكيّ نزق، حين تقرأ أوّل أحاديثه تبدو لك بلا عمق ولا أبعاد، لكنّها أعجبتني كثيرًا، لقد كنتُ أضحك بصوتٍ جهوريّ في أكثر صفحاتها، وأنا أحبّ ذلك النّوع من الكتب الّذي يفلح مؤلّفه في قول أشياء عظيمة ومؤثّرة بلغة عامّية بسيطة، كما أنّها تمتلئ بالشّتائم الّتي راقت لي، في وقت أشعر فيه بحاجة ملحّة في شتم العالم بمن فيه لكنّ قاموسيّ اللغوي نظيف أكثر من اللازم .

الأمر الأكثر أهميّة في الرّواية هو تكرار لفظ “الزّيف” فيها، فالبطل يتذمّر من كلّ ما حوله ويصفه بالـ”زائف”، الأفلام والابتسامات وزملاؤه في المدرسة والسيّارات والجنس والموسيقى وسلال التبرعات الخيرية وشوارع نيويورك والصودا الممتزجة بالرام، إنّه يجد كلّ ما حوله زائفًا فيصاب بالإحباط والجنون الشديدين ويفكّر بمغادرة المدينة إلى الرّيف .

والحقيقة، أنا أرى، أنّ الأسوأ من كوننا نعيش وسط مدنٍ مزيّفة هو أنّ هذا القرن يوهمنا بالعكس، فنحن نعتقد بأنّنا أحرار وحقيقيّون أكثر من أيّ إنسان عاش على الأرض، حتّى أنّ أكثرنا يجد نفسه متفردًا عن أقرانه مستقلاًّ بأفكاره لامنتميًا وعلى استعداد لدفع الكثير من أجل الانعتاق عمّا وجد عليه آباءه وأجداده، لكن هل حقًا نحن نعيش تجربةً إنسانيّة حرّة ؟

كما تشير الكثير من آراء مفكّري هذا القرن، فإنّ الإنسان استبدل السّلطات التقليديّة: القبيلة والعائلة والدّين، بالسّلطات النّاعمة: السّينما والأغنية والدّعاية الإعلاميّة، على سبيل المثال، يذكر ثيودر رايك في كتابه “سيكيولوجيا العلاقات الجنسيّة” بأنّ عواطف الإنسان أصبحت أسيرة للأفلام السّينمائيّة، فبينما يعتقد الكثيرون بأنّهم وقعوا في الحبّ مثلاً، ستجد أنّهم لم يفعلوا أكثر من تحقيق ما رأوه في فيلمٍ باذخ على حياتهم الواقعيّة، ورايك يتحدّث هنا عن أفلام الستّينات الّتي لم تكن قد بلغت معشار ما بلغته أفلام هوليود اليوم من إبهار واستخدام لأعلى التّقنيات في السّيطرة على أنفاس المشاهد .

كذلك يتحدّث هذا المقال عن “الطّرق الّتي استخدمها الممثلون لتطبيع العلاقات المثليّة خلال وقت قصير في أمريكا”، وأغلب النّاس يعتقدون وهم يلوّحون بهتافات مطالبة بحقوق المثليين بأنّهم تحرّروا من أسر الدّين والعادة والتّاريخ، بينما الحقيقة هي أنّهم وقعوا أسرى لغسيل دماغ ناعم .

من المحبط حقًا معرفة أنّ نيل الحرّيّة ليس بالسّهولة الّتي تصوّرناها طويلاً، أنت لا تحتاج فقط لإزالة العوالق الاجتماعيّة الّتي ألصقها قومك بك كي تكون حرًا، بل تحتاج أيضًا لكمّيّة هائلة من الشّجاعة والوعي والدّراية كي تسأل نفسك باستمرار: لماذا اتّخذتُ هذا الموقف؟ ولماذا اعتنقتُ هذا الرّأي؟ ولماذا أدافع عن هذه الفكرة؟ وهل سمّيتُ شعوري باسمه الحقيقيّ فعلاً؟ .

وحياةٌ مثل هذه هي حياة مستنزفة ومجهدة، فأمام كلّ فعل أو ردّة فعل ستستدعي كلّ ما حوت ذاكرتك من صور واقتباسات وحوارات ومشاهد وأضواء متعلّقة بها، حتّى تصل إلى فكرة صافية ونقيّة لا يشوبها تأثير خارجيّ قاسر .

وأنا أعني بالقاسر تلك التأثيرات الّتي تسيطر علينا لا إراديًا من حيث لا نعلم فتهدم أو تبني فينا الكثير، وهي مختلفة عن التّأثيرات الّتي نعرفها جيدًا، قلّبناها بين أيدينا وتأمّلناها ودرسناها وأُعجبنا بها عن وعيٍ منّا .

والتّفكير في مدى زيف الحرّية في عالم اليوم يقود إلى الجنون، فنحن مأسورون حتّى في معايير الجمال والأناقة، لا أستطيع أن أخفي مثلاً حنقي أمام كلّ ما يُكتب عن الموضة: ارتدي لهذا الشّتاء حقيبة توتي باللون كذا وكذا، الأحذية ذات الكعب القصير دارجة في ربيع ٢٠١٣، الفساتين القصيرة ليست موضة لهذا العام .. بلا بلا بلا، والأعجب أنّ هناك من تؤمن حقًا بأنّ ارتداء ملابس مزيّنة بالورود في فصل خريفيّ هو شكل من أشكال الرّجعية مهما كان الفستان جميلاً !

كنتُ أشاهد قبل أيّام مجموعة من الراقصات الشرقآسيويات في لباس مثير جدًا وسط مجموعة بائسة من الرّجال، شعرتُ بالحزن وأنا أفكّر في أنّ امرأة اليوم تؤمن بأنّها حصلت على حرّية أعظم ممّا حصلت عليها النّساء في القرون الماضية، بينما نجد بأنّ مفهوم “الجواري” وحده من تغيّر، أعني بأنّ الأمور اختلطت حتّى على النّساء أنفسهنّ، يستطيع المرء أن يفهم ماذا يعني أن تكون المرأة حرّة في الجاهليّة أكثر ممّا يفهم ذلك في عالم اليوم، ليس على مستوى الشّركات الإعلاميّة الّتي استعبدت أجساد النّساء فحسب، بل حتّى على مستوى البيئات الاجتماعيّة، لا يدرك كثيرٌ من الرّجال مثلاً ماذا يعني أن يتزوّج امرأة حرّة، لأنّه لا يعرف ماذا يعني أن يشتري جارية، والأشياء بضدّها تُعرف .

لا أعني الدّفاع عن ثقافة وجود الجواري، كلّ ما أردتُ  قوله بأنّ هذا العالم  ملعون بالعبوديّة !

ومن صور لعنتنا الحديثة بالعبوديّة “جنون التّقنية”، وهذا جانب يطول الحديث فيه، قِيل قديمًا بأنّ الحاجة أمّ الاختراع، لكنّ عالم اليوم جعل من الاختراع أمًّا للحاجة، فكلّما تطوّرت تقنيات الهواتف الذّكية مثلاً زاد عدد “الفقراء” إليها، أتذكّر بأنّني كنتُ في مجلس للعزاء حين رأت امرأة كبيرة في السنّ جهاز “الكندل” بين يديّ، فسألتني بلهفة: هل هذا آيباد؟ جالكسي تاب؟ ما هذا الّذي تحملينه؟ أجبتها بأنّه جهاز للقراءة فقط وأنّه غير متوفّر في متاجر السّعوديّة، فأخبرتني بأنّها تمتلك جهازين وأنّها ستكون سعيدة لو استطاعت شراء مثل هذا الجهاز الّذي أحمله .

لقد كنتُ مصدومة جدًا، ما الّذي ستفعله هذه المرأة بجهاز مثل الكندل بحقّ الله ! ثمّ انتبهتُ بأنّ أكثر النّاس يحملون أجهزة ذكيّة ويستبدلونها بأخرى جديدة بين الوقت والآخر بينما هم في الحقيقة لا “يحتاجون” إلى أكثر من جهاز للتواصل مع الآخرين، أين تذهب مخلّفات كلّ هذه الأجهزة؟ وأين تذهب متعة النّاس الّذين لهثوا خلفها؟ وهل هؤلاء على وعيٍ تامّ بأنّ أموالهم تُستنزف في اللاشيء؟

قد يبدو مقالي متشائمًا، لكنّني “حزينة” أكثر من كوني متشائمة، ما استعرضته هنا قليلٌ جدًا مقابل الصور الهائلة للعبوديّة الّتي تحيط بي من حيث لا أعلم، إنّه أمر مفزع حقًا، يُخيّل إليّ أحيانًا بأنّ الحريّة وهمٌ خُدعت به، وما الّذي يمكنني فعله ؟ إنّني أرجو بصدق أن تتاح لي فرصة العيش في ريف غير متمدّن، لكن هل ستتقبّل روحي المثقلة بالعبوديّة الحضاريّة ذلك ؟ وهل هذا سيحرّرني حقًا؟ لستُ أدري ..

فكرة واحدة على ”“الحرّيّة” في حقل الشّوفان ..

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s