الجنّة هي أن أعود طفلة ..

صباحٌ باردٌ ،
وطفلة بمريول المدرسة وضفائرها الطويلة جاهزة مبكرًا ومستعدة للذهاب تقف قرب النافذة تراقب آخر ذبابة قبل حلول الشتاء،
رائحة لذيذة لفطائر الجدة التي تعدها على الموقد في حين تتحدث إلى طفلة آخرى أصغر ببضع سنوات لازالت تسرح شعرها أمام المرآة ..
الطفلة الأولى هي أنا .. والآخرى هي ابنة خالتي ..
كيف لذبابة وشبك النافذة في منزلنا القديم أن يبقيا عالقين في ذاكرتي رغم السنوات العشرين التي مرت ..
النباتات المغروسة في حديقة المنزل في أصص منوعة
وشجاراتنا الصغيرة كل صباح ..
لا أذكر كيف بدوت بوجهي الطفولي الذي لم يتغير كثيرًا في رحلة السنوات ..
هل كنت طفلة شاردة ؟ أم طفلة بريئة حد السذاجة ؟
لا أتذكر أني كنت سعيدة كثيرًا ..
أتذكر فقط أن ذهني كان مثل فقاعة بيضاء كبيرة كبيرة جدًا يمكنني أن أرى فيه مكتوبًا كل ما أسمعه ويبقى هناك ..

سميّة (ابنة خالتي)

 

” الطفلة الأولى هي أنا، والثّانية هي ابنة خالتي ”

لا أعرف إن كان للجميع هذا الهوس بمرحلة الطّفولة لكنّي أملكه .

لو لم تكن الجنّة إلاّ العودة إلى طفولتي لكفتني حقًا، لا يغريني الاستبرق والسّندس وأنهار الخمر والعسل، أريد طفولتي فقط وسأكون ممتنّة لله وشاكرة .

ما زالت الرّائحة في أنفي، ابنة خالتي الكبرى الّتي تطلّعتُ إليها بإعجاب دومًا، جدّتي الّتي كان – وما زال – العيش معها هو تجربة إنسانيّة كثيفة لا تُقارن بأيّة تجربة .

أريد لهذه الأيّام أن تعود، أريدها وبشدّة، أريد لخالتي أن تعود، أريد لمدرستي الابتدائيّة أن تعود، أريد للحلويات الرخيصة أن تعود، أريد للمكتبات المنتشرة في جوانب شارعنا أن تعود، نزورها لنشتري المزيد من الطوابع والميداليات والحقائب الصّغيرة دون أن نملّ، أريد للماء الّذي نغليه في القدر الذّهبي بدلاً من شرائه أن يعود، أريد لإفطار جدّتي الصّباحي أن يعود، أريد لشايها أن يعود، أريد لأصيص أزهار الصبّار الغريبة أن تعود، أريد ليوم الجمعة أن يعود، أستيقظ باكرة جدًا وأنشر غسيل جدّتي وأنا أحادث تلك النباتات الغريبة، أحادثها وأحتفل بتلك الّتي نجحت في إنجاب زهرة جديدة .. كانت نباتات تتكاثر كالأرانب !

أريد رائحة منزلنا، وسأقبل بانقطاع الكهرباء المستمرّ الّذي علّمنا كيف نصنع أشكالاً سخيفة من الظلّ على ضوء الشّموع، أريد طفولتي وسأقبل بطيب خاطر أطفال الحيّ القذرين يتبولون على أعمدة الكهرباء، سأقبل بالشّارع غير المرصوف الّذي اشتكى منه إخوة صديقاتنا وآباءهم دومًا، سأقبل بالبقالات الّتي التقيتُ فيها برجال سكارى غير مفهومين بالنّسبة لي، سأتقبّل مصروفي القليل، سأتقبّل رائحة روث الحيوانات على الطّريق المؤدّي إلى المعهد الدّيني، سأتقبّل كلّ شيء دون استثناء مقابل عودة أبديّة لطفولتي .

عندما غادرتُ صنعاء، غادرتُ طفولتي وصباي، فقدتُ شيئًا هامًّا لم أعثر عليه حتّى الآن، مررتُ منذ ذلك بأوقات سعيدة بالتّأكيد، عشتُ تجارب كثيفة لا يُتاح للجميع المرور بها، لكنّني ما زلتُ أفتقد ذلك “الشّعور” .. ذلك الشّيء المبهم غير المفهوم الّذي جعلني أتمسّك بذاكرة طفولتي إلى هذا الحدّ الغريب، ذلك الشّيء الّذي أفسد عليّ متعة النّضوج، والّذي أرغب به – وحده – في الجنّة  .

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s