الانتهاك النّاعم للطّفولة، عارضات انستغرام أنموذجًا

( أحمر شفاهٍ قانِ اللون، فستان أنثويّ ناعم، عدساتٌ ملوّنة، كحلٌ أسود، غنجٌ وقبلاتٌ مرسولة، آلاف المعجبين والمتابعين، وعشرات الحسابات الخاصّة بالجماهير) إنّني لا أتحدّث عن نجمة هوليودية، ولا عن عارضة أزياء، بل عن فتاة صغيرة لم تتجاوز العشر سنوات، “موديل” ومنشدة وراقصة على الطّريقة “الإسلاميّة”، فهي صغيرة لم تبلغ بعد، ومن الظّلم حبسها خارج أسوار الشّهرة والأضواء، كلّ الّذين سيتحدّثون عن الجانب الأنثويّ منها “مرضى” و”أصحاب عاهات”، وكلّ الّذين سيقدّمون النّصائح لأهلها “متخلّفون” لأنّ الأهل “أحرار” في تقديم صورة ابنتهم الصّغيرة بالطّريقة الّتي تتناسب مع مفاهيهم الخاصّة.

عن “العارضات القاصرات” في انستغرام أكتب، وكنتُ قد أخذتُ على نفسي ألاّ أكتب أيّ مقال اجتماعيّ قبل اكتساب المعرفة الحقيقيّة الرّاسخة الّتي تنقلني من الأسلوب الفردانيّ الخاضع لنسبيّة المفاهيم والقيم إلى الأسلوب الموضوعيّ المدعوم بالحقائق والاحصائيّات، لكنّ هذا الموضوع يلفّ كاللعنة حول عقلي ويأبى إلاّ أن أكتب عنه، أجّلتُ ذلك مرارًا متعلّلة كالعادة بأنّني “لا أدري”، لكنّي خلصتُ أخيرًا إلى أنّ النّدم على كتابته إن حدث، فلن يساوي شيئًا أمام النّدم على عدم فعل ذلك.

ظاهرة “الانتهاك النّاعم للصغيرات في انستغرام” تعكس كثيرًا من المفاهيم المغلوطة ذات الجذور العميقة في المجتمع، أوّلها أنّ المجتمع لا يسمّي هذا السّلوك “انتهاكًا”، فانتهاك الطّفولة لدينا يأخذ الشكل المباشر فحسب: الاعتداء الجسديّ، وقليل من الواعين من النّاس يعرفون أيضًا بعض أشكال الانتهاك النّفسي مثل: قتل الثقة في نفس الطّفل، تقريعه بقسوة، احتقاره .. إلخ، لكنّ هنالك نوع من الانتهاك لا يلتفت إليه أحد:

استخدام الأطفال في الحصول على المال، إقحام الطّفل الغرّ في عالم الشّهرة بدون أيّ مراعاة للتبعات النفسيّة المستقبليّة، تعريض الطّفل لتلقّي آلاف التعليقات منها ما هو سلبيّ وفاحش ومؤذي، استخدام الطّفلة الجميلة للتباهي أمام الغرباء ووضعها داخل قالب “الأنثى النّاضجة” لتنتهكها الأعين على اختلاف مراميها.

يتجلى في هذه الظّاهرة الخلل الاجتماعيّ المتعلّق بمفهوم “علاقة الوالدين بأبنائهما”، فالعلاقة هنا علاقة تملكيّة، ولذلك عندما يتقدّم شخص بانتقاد لصورة إحدى الصّغيرات يردّ عليه الكثيرون بـ : “ايش دخلك؟ أهلها الّي يقرروا لبسها”، وكأنّه لا محاسبة لهذين الأبوين عندما يرتكبان أو يسمحان بارتكاب خطأ ضدّ أطفالهما، فالوالدين معصومين عندما يتعلّق الأمر بالأبناء – ليس على مستوى الأطفال فحسب – لا يوجد أيّ عرف اجتماعيّ أو قانون صريح يحمي الأبناء ممّا يرتكبه الوالدين اللهمّ إذا استثنينا على استحياء العنف الجسدي.

المنطق الآخر الّذي يستخدمه منظّموا الفرق الإنشاديّة والمصوّرون والأهالي هو منطق “الدّين”، وهو منطق يحوّل المسائل الأخلاقيّة إلى مسائل ذات بعد واحد فقط: الحلال والحرام، فظهور صورة لطفلة صغيرة حلال، والموسيقى حرام، وصوت الفتاة البالغة حرام، فتنتشر فيديوهات لبناتٍ صغيرات يضعن المكياج ويتغنجن ويرقصن على أناشيد بلا موسيقى، وماذا في ذلك؟ حرام؟ إنّ الّذي يعتقد بأنّه من المحرّم أن ترقص فتاة في هذا العمر أمام النّاس هو شخص ولا شكّ مصاب بالـ “البيدوفيليا”، أمّا الأشخاص الأسوياء فيستحيل أن يتفهّموا هذا الرّفض.
يقودني هذا إلى التأمّل في مفاهيم “الحلال والحرام” داخل عقول النّاس، بالنّسبة للكثيرين نجد أنّ ما يجعل الفعل حلالاً هو علّة متّصلة بالفعل ذاته، لا للموقع الأخلاقيّ للفعل، فطالما اتّفق العلماء أو بعضهم على أنّ الأمر حلال، فبغضّ النّظر عن كون هذا الفعل جيّد أم سيء فهو حلال، أيّ أنّ الأمر أشبه ما يكون بالكاتلوج الأخلاقيّ الجامد، تُحفظ تعليماته دون النّظر إلى مقاصده ودون التّفكير في عواقبه.
.
.
كنت قد نشرتُ قبل عامين أو تزيد مقالين بعنوان “هل تؤدّي لي جريمة بسيطة مقابل ٢٠ دولارًا؟”، تحدّثت خلالهما عن صناعة المجرم، وذكرتُ بأنّ النّاس يعتقدون بسذاجة أنّ الإنسان يرتكب جريمته لأنّه خُلق “مجرمًا” بمعزل عن ظروفه وبيئته، غير أنّ الحقائق تؤكّد أنّنا جميعًا دون استثناء معرّضين لأن نكون مجرمين.

حينما يعلّق مراهقٌ أرعن بأسلوب غير لائق على صورة طفلة صغيرة تتوجّه الأصابع إليه: مريض، حقير، حيوان .. غير أنّ النّاس تنسى بأنّها تساهم في حقن هؤلاء الشّباب بالانحرافات الجنسيّة حين تعرض صور هؤلاء الصغيرات داخل قالب أنثوي متغنّج أمام الآخرين على اختلاف وعيهم وإدركهم وصحّتهم النفسيّة، لا أقول مطلقًا بأنّ الإنسان لا يؤاخذ على كلامه، فكلّ نفس بما كسبت رهينة، ولكنّني أؤمن بأنّ أفراد المجتمع يحملون مسؤولية عالية في حماية بعضهم البعض من الوقوع في الخطأ.

ومن الغريب جدًا أن نعيش في مجتمع تُعزل فيه الصّورة الفيزيائيّة للمرأة النّاضجة بشكلٍ مبالغ فيه، وتنتشر فيه في الوقت ذاته الصّورة الفيزيائيّة لصغيرات قاصرات، ممّا يعني ببداهة تحوّل الانجذاب والتّركيز عليهنّ، فمع مرور الوقت أصبحت هؤلاء القاصرات نجوم ونماذج و”موديلات” الجمال في المجتمع الافتراضي والواقعي، وأصبحن يشكّلن نسخة مشوّهة من عارضات الأزياء البالغات في المجتمعات الأخرى، يحاول ذووهنّ إشراكهنّ في الأنشطة الخيريّة، يمثّلن الصّورة المثالية أمام الجماهير “العاشقة” ويكتبن عن أذكار الصّباح والمساء والفضائل الدّينيّة و و و غير أنّ الحقيقة هي أنّ المادّة الأولى الّتي تُقدّم وراء كلّ هذا: صورة جميلة لطفلة قاصرة.

ليس هذا فحسب، بعض هؤلاء القاصرات يُستفاد منهنّ في الحصول على المال من خلال الإعلانات الّتي يرتدين فيها أزياءً لمصممّة مشهورة أو أطواق ورد لمتجر من انستغرام، وهذا برأيي لا يختلف عن أيّ استغلال آخر للحصول على المال من خلال طفل، ولكن وكما يذكر عنوان مقالي: إنّه استغلال ناعم، وانتهاك ناعم .

هل أقول بأنّ على النّاس أن يخفوا صور صغيراتهم عن أعين الآخرين؟ لا، لا أقول ذلك إطلاقًا والّذي يعتقد هذا لم يدرك شيئًا من مرمى المقال. لأكون صريحة فلو كنتُ أمًّا لما نشرتُ صورة لطفلتي إطلاقًا على شبكة الإنترنت، لماذا؟ لأنّ الصّورة حين تُنشر هنا فإنّها لا تصبح ملكها، بل ملك الآخرين، وأنا لا أعرف كيف سيستخدم الآخرون هذه الصّورة، وكيف سينظرون إليها، لذلك لا حقّ لي في تعريض طفلة بريئة لحواسّ غير بريئة عن غفلة منها.

حين تنشر فتاة بالغة صورها فهي على إدراك تامّ بما سيترتّب على هذا النّشر، وعدم الإدراك هنا “حماقة”، أمّا الطّفلة الصغيرة لا تدرك شيئًا من هذا، إنّها تجد آلاف المعجبين فتفرح، وإذا قرأت تعليقات سلبية، فإمّا أن تتأذّى بشدّة أو لا تفهم، لكنّي من جديد لا أعترض في مقالي عن نشر صور الصغيرات برمّته، بل عن وضعهنّ داخل قالب ناضج وأنثويّ، فإذا أردتِ وضع صورة لطفلتك فضعي صورةً لـ”طفلتك”، لا صورة لطفلة مشوّهة ترتدي قناع الأنثى اللعوب.
…………………………………………..
أولادكم أمانة الله، فلا تخونوا الله في أمانته

5 أفكار على ”الانتهاك النّاعم للطّفولة، عارضات انستغرام أنموذجًا

  1. السلام عليكم، أختي إحسان، لدي فكرة واقراح، أحتاج إلى مساعدة بعض القراء و المدونون، وقد حصلتُ على توصية من أحد الأشخاص بمدونتك، إذا كنتِ مهتمة فتواصلي معي عبر @mesoo_9 في تويتر

  2. عندما نضع بيد اطفال الاجهزه الذكيه بدون مراقبه وضوع الشرط التي تحميهم فهناك من يخترق البرئتهم وطفولتهم فكل ام واب يجب عليهم مراقبتهم

  3. صدقت في كل كلمة قلتها لا فض فوك
    ورأيت بعيني تعليقات غير لائقة على صور بعض أولئك الفتيات من ضعاف النفوس لم تحرك في أبيها ساكنا ولم تثر في قلبه غيرة على ابنته وإذا ماتت الغيرة في قلوب الرجال على محارمهن فتلك طامة عظيمة
    وما حالات الاغتصاب للصغيرات الاي أصبحنا نسمع عنها إلا إحدى نتائج هذا الأمر
    هدانا الله جميعا لما يرضيه عز وجل

  4. إستغلال مغلف بتغليفة حسنة..
    إحدى الصديقات تحكي عن أحد مشهورات الانستقرام، تقول رأيت صورة لها ترتدي “بودي” أسود وكحل وروموش مزيفة و أحمر شفاه وكنت أظنها شابة
    لكنني صدمت عندما اكتشفت أنها من زميلات أختي الصغيرة ذات الاحدى عشرة سنة !
    وعندما رأيتها بالواقع لم تكن الا مجرد طفلة صغيرة جدًا سواء شكلا أو شخصية😦

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s