سينما ذكوريّة؟ ماذا عن سينما تسيطر عليها النّساء؟

في مطلع الحلقة الأولى من المسلسل الشهير Breaking Bad، يظهر بريان كرانستون – والّذي كان يبلغ من العمر آنذاك ٥٢ عامًا – يائسًا، خائفًا، ونصف عار في وسط طريق خال، لم يكن المشهد جذّابًا للعينين وأشكّ بأنّ النّساء قمن بإعادة مشاهدته لكسب متعة بصريّة، فليس للرجل الصّفات الجسديّة الّتي تجعل منه جذّابًا في المعايير المعاصرة على الأقلّ، إنّه مجرّد رجل عاديّ جدًا، لكنّ المشهد كان مهيبًا مؤثّرًا، يشي بطابع المسلسل الّذي استمرّ لخمسة مواسم ناجحة دون تقديم “حلوى بصريّة” للمشاهد، وهذا أحد الأسباب الكثيرة الّذي تجعله المسلسل رقم ١ في مفضّلتي .

منذ رأيت ذلك المشهد، أفكّر كثيرًا، هل يمكن لامرأة خمسينيّة أحدث الزّمن في جسدها ما أحدثه في جسد بريان كرانستون أن تنجح في الفوز ببطولة مسلسل شهير كهذا؟ هل يمكن أن تقف في منتصف طريق خال بفخذين مترهّلين ووجه مجعّد؟ بمكياج لا يظهرها إلاّ أكثر سوءًا ممّا هي عليه في الحقيقة؟ هل يمكن لمسلسل تقوده امرأة عاديّة – عاديّة جدًا – أن يحقّق النّجاح الّذي حقّقه Breaking Bad ؟

ورحت أستعيد أسماء الممثّلين النّاجحين الّذي استمرّ نجاحهم حتّى بعد أن خسروا قوّة وعنفوان أجسادهم، إنّهم كثر، ليس أنّهم خسروا شبابهم ولكنّهم استبدلوه بجاذبيّة الكهولة والشعرات البيضاء، لكنّ الأمر مختلف جدًا بالنّسبة للنساء، إنّ الرّجال ربّما يزدادون جاذبية حين يتقدّمون بالسنّ، أو ربّما أنّ خسارتهم لهذه الجاذبيّة لا تؤثّر دائمًا على نجاحهم الإعلاميّ، لكنّ النساء ينطفئن بمرارة إذا فشلن في الحفاظ على هذه الجاذبية أو إصلاح ما أفسده الزّمن فيها، إنّ المتعة البصريّة الّتي تحققها الممثلة للمشاهد ضروريّة غالبًا، وبدونها تنخفض أسباب ظهورها في عمل ما، ومّما لاحظته، أنّ النّساء غير الجميلات، أو الممتلئات، يفزن بالأدوار الكوميديّة غالبًا حيث يصبح “غياب الجمال” جزءًا مهمًا من شخصيتها .

لا شكّ بأنّني أقول كلامًا مكرّرًا، أعرف هذا، العديد من النسويات وخصوصًا ناقدات السّينما قد سبقنني في جلّ ما قلته هنا، ومن أشهرهنّ على الإطلاق لورا مولفي صاحبة مقال المتعة البصرية والسّينما السرديّة ، وهو مقال جميل بالمناسبة لا تفوّتوا الإطلاع عليه .

لكنّي لا أريد أن أناقش هذا الأمر، ربّما في مقال آخر، ما أريد أن أناقشه هو علاقة الجلاّد والضحيّة بين المرأة والرّجل في هذا السّياق، في المقال آنف الذّكر تتحدّث الكاتبة عن ما تعبّر عنه بسلطة الرّجل الممتدّة حتّى السّينما، عن العلاقة بين الرّجل من حيث هو صانع السّينما والمتلقّي لها، وبين المرأة من حيث هي الأداة المستخدمة في المتعة البصريّةيقول الأستاذ محمّد العبّاس في مقاله الّذي استعرض فيه نظريّة مولفي: “إن تاريخ العدسة السينمائية ذكوري بامتياز، وذلك من خلال التوظيف البارع والمبسط والمباشر للمتعة البصرية، فهي منذورة لتشييء المرأة “، وسؤالي هو إذا كانت هذه هي السّينما الذكوريّة فكيف ستظهر المرأة في سينما تسيطر عليها النّساء؟

هل الرّجال وحدهم هم المسؤولين عن التركيز البصريّ والجنسيّ على المرأة في التلفاز والسّينما؟ وبشكل عام هل الرّجال وحدهم هم المسؤولين عن تكريس محوريّة الجسد في حضور الأنثى في الحياة العامّة حتّى نسمّي هذا السلوك بالـ”ذكوري”؟ أجرؤ على القول بأنّ هذا غير صحيح، بل وزيادة على ذلك، إنّني أحمّل النّساء مسؤولية أكبر في تكريس هذه المحوريّة .

إنّ النّساء مهووسات بالمظهر الأنثويّ، فقبل أن يرفض المخرج – الذكوريّ – امرأة خمسينيّة للقيام بدور البطولة، سوف ترفض هي نفسها أولاً، وربّما قبل ذلك بكثير، سوف يبدأ القلق من “خطوط الوجه التعبيريّة” في الثلاثينات، ثمّ تحصل على عناية تجميلية بتجاعيد الوجه بدءًا من الأربعينات، وفي كلّ مرّة تنظر فيها إلى شقوق بطنها الّتي أحدثتها الولادة، سوف تُهاجمها نوبة إحباط، إنّني لا أنتقد هذا الآن بالمناسبة، لا أظنّ بأنّني سأكون أقلّ قلقًا من تجاعيد وجهي حين أكبر، لكنّ السّؤال الّذي أحاول طرحه هنا: هل تقبل جلّ النّساء ترك جاذبيتهنّ في الخلف والمضيّ إلى مواجهة العالم عبر الكاميرا في دور بطوليّ؟ هل يقبلن القيام بدور بريان كرانستون؟ لماذا يتمّ التّشنيع على الرّجل وحده إذًا؟

ثمّ إنّ المرأة نفسها تحاكم بنات جنسها بناءً على مقوماتهنّ الجسديّة وعلى أعمارهنّ، وهي أقسى أحيانًا في هذه الأحكام من الرّجال الّذين لا يهتمّون بالتّفاصيل الّتي تهتمّ بها النّساء، دقّة المكياج مثلاً وتبعيته للموضة الحاليّة، لم أسمع رجلاً من قبل يعلّق باستهزاء على امرأة بأنّ “فستانها لا يناسب هذا الموسم”، اللهمّ إلاّ إذا كان متخصّصًا في التجميل، لكنّ النّساء يفعلن ذلك، العديد من الفتيات تخشى نظرات “أهل زوجها” أكثر من نظرات الزّوج نفسه، تنتشر عمليات التجميل في مجتمعات غير مختلطة والزّواج ليس هو السّبب الأوّل لانتشارها، وكثيرًا – نعم كثيرًا – ما رأيت فتيات يشنعنّ على رجل أنّه اختار شريكة أقلّ جمالاً منه .

بالإضافة إلى ذلك، الرّغبة بالظهور بمظهر جميل غريزة في النّساء مثل أنّ الرّغبة في الاستمتاع بهذا الجمال هو غريزة في الرّجال، العديد من النّساء الشهيرات وعارضات الأزياء مأخوذات جدًا بدور “المخلوق الجنسيّ الجذّاب”، لا أحد أجبرهنّ على ذلك، إنهنّ سعيدات في ما يفعلنه، سعيدات في تكريس هذه الصّورة عن أنفسهنّ، سعيدات بالتعرّي وبإثارة الآخر، وهنّ كثر، وأجزم أنّ غيرهنّ – ممّن ينتقدهنّ حتّى – لو أوتين الجمال والفرصة لفعلن الشّيء ذاته، هل يمكن أن نعاملهنّ كضحايا لذكوريّة الرّجل؟

إنّ الرّجل حتّى حين يكون ذكوريًا بالمعنى المذكور في المقال فإنّما يخدم أهدافه، إنّه سعيد بكلّ هذا الكمّ من الأجساد المتعرّية في التلفاز، ولا يضرّه بشكل مباشر أن تصبح المرأة حلوى للعينين، فهو ما زال القوّة الحقيقية والفاعلة والمنفّذة في الإنتاج المرئيّ وفي مجالات أخرى عديدة، ما زال قادرًا على تحقيق وجوده دون الحاجة إلى جمال خارجيّ، لكن المرأة حين تلحّ على أهميّة جسدها وتجعله مسيطرًا على بقيّة جوانب كينونتها فهي تضرّ نفسها وتضرّ بنات جنسها وتنسحب إلى الخلف كمخلوق أقلّ من الرّجل .

لا أقول بأنّ على المرأة تهميش جمالها لتتساوى بالرّجل، هذا غير وارد أصلاً، فخلافًا لكثير من المخلوقات – الطّيور مثلاً – تلعب المرأة دور الطّرف الجذّاب والجميل والمغري، لا يمكن أن يتغيّر هذا إلاّ بتغيير هائل في طبيعة الإنسان ولا يعنيني هذا التغيّر بالمناسبة ولا أراه مقنعًا، ما أقوله هو أنّنا لو أردنا للمرأة أن تتجاوز إطار المتعة البصريّة إلى المشاركة الجادّة فلا بدّ أن يبدأ التغيير منها، لا بدّ أن تكفّ النّساء أولاً عن محاكمة أنفسهنّ وبنات جنسهنّ بناءًا على أشكالهنّ، لا بدّ أن تكون المرأة أكثر ثقة بنفسها حتّى حين تفقد كلّ مظاهر الجمال الخارجيّ، ولا بدّ أن تكون قادرة على مواجهة العالم بهذه الثقة .

أمّا الاستمرار في لوم الرّجل وتحميله المسؤولية ولعب دور الضحيّة في هذا السياق فلن يغيّر من الأمر شيء .

5 أفكار على ”سينما ذكوريّة؟ ماذا عن سينما تسيطر عليها النّساء؟

  1. نقاشك و مجادلتك بداخل التدوينه اعجبتني بعكس الحديث الروتيني حول السينما بشكلها التقليدي ، أميز تدوينه حول السينما قد قرأتها في حياتي .. لا أبالغ !

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s