مذكّرت عالماشي (١) القطّة ووجبة الفول

مصدر الصّورة

كنتُ أجلس على إحدى الطّاولات في سوقٍ مركزيّ بانتظار وجبة الفول الّتي طلبتها، شاهدتُ قطّة شوارع تتحرّك في المكان باحثة عن طعام، ناديتها إلى طاولتي، أصبحت تدور حولي وتدخل في عبائتي ثمّ تخرج، ندمتُ لأنّي طلبتُ وجبة فول، القطط لا تأكل الخبز إلاّ نادرًا، والفول؟ ببحث سريع في قووقل وجدتُ بأنّه من الأفضل ألاّ تطعم القطط أيّ نوع من البقوليات.

لحقتني القطّة حتّى المطعم واستمرّت بالدّوران حولي، ما إن أخذتُ وجبتي حتّى حاولتِ القفز إليّ، يا إلهي هل أشتري لها وجبة من السّمك؟ الدّجاج؟ ثمّ إنّ الأكل ساخنٌ جدًا ولن تكون فكرة جيّدة أن تجرّبه، أخذتُ قطعة من الخبز، أعطيتها إيّاه فهربت شاردة منّي، ربّما لأنّها أحسّت بتهديد حرارته.

جلستُ على الطّاولة، شعرتُ بالحزن الشّديد وأنا أراقبها متكوّمة على نفسها ومستسلمة للجوع، جاءت طفلتين صغيرتين، أكبرهما في الثّامنة من العمر تقريبًا، تحملان قطعًا من الدّجاج والبطاطس المقليّ، ضحكتُ من براءتهما، ذهبتا إلى القطّة وطمأنتاها بأسلوب طفوليّ، ثمّ أطعمنها، أكلتِ القطّة الدّجاج بنهم، ثمّ خلدت إلى النّوم في زاوية ضيّقة، هكذا ببساطة، بعد نصف ساعة من الحركة المضطّربة، نامت بهدوء.

هل أبدو لك كفتاة مرفّهة؟ هل تسخر منّي لأنّي أراقب وأتعاطف بهذا الشّكل مع قطّة مشرّدة بينما هنالك المئات من الجوعى والقتلى في العالم؟ هل القراءة حول قطّة جائعة هو آخر ما أردت فعله اليوم؟

بالنّسبة لي، الرّحمة صفة تخصّ الرّاحم أكثر ممّا تخصّ المرحوم، إذا كانت الرّحمة أصيلة في الإنسان – ولا أدّعي هنا بأنّها أصيلة بي – فإنّها ستشمل الإنسان والحيوان والحشرات والزواحف وحتّى الجمادات.

لكن لماذا قد يطعم الأطفال قطّة ولا يهتمّون بإنسان مشرّد؟ لماذا يبدو الأمر أحيانًا وكأنّ مثل هؤلاء يهتمّون بالحيوان أكثر ممّا يهتمّون بالإنسان، سأسرد عليكم بعض الأسباب المختلفة الّتي فكّرتُ بها أثناء تواجدي في المكان :

١. نحن نتوجّس من الإنسان الغريب وهذا طبيعيّ، فالمشرّد قد يتحرّش بالطّفل، أو يؤذيه بطريقة ما، أمّا القطّة فأقصى ما تستطيع فعله هو خربشتنا أو نقل الأمراض المعديّة الّتي نستطيع تجنّبها، القطّة في أذهاننا كائن غير عاقل، عارٍ، غير مكترث بنا إلاّ بما يحقّق مصالحه الخاصّة، ليس له بروتوكلات أو عادات ممّا يجعل التعامل معه سهلٌ جدًا، نحن لا نخاف من جرح مشاعره حين نعطيه بقايا الطّعام ولا نخاف من قسوة نظراتنا الدونيّة عليه.

٢. القطّ مباشرٌ جدًا في طلب الطّعام، هو لا يطلب منك بعض النّقود مثلاً أو يحاول الاحتيال عليك، وحين يرفض طعامك لأنّه لا يناسبه فإنّه يرفضه بطريقة مباشرة أيضًا.

٣. عندما يطلب منّا إنسانٌ بالغٌ بعض الطّعام، فنحن قد نسأل أنفسنا: لماذا لا يحصل على طعامه بعرق جبينه؟ لماذا لا يعمل؟ لماذا يحاول الاعتداء على طعامنا الخاصّ؟ أمّا القطّ فقد يكون من الطّبيعي أن يتواجد في الشّارع، وأن ينتهي به الأمر جائعًا.

٤. القطّ أضعف من الطّفل وتجربة مساعدة من هو أضعف منّا لذيذةٌ جدًا.

لا يعني هذا طبعًا بأنّه لا وجود لأولئك الّذين يهتمّون بالقطط أكثر ممّا يهتمون ببني جلدتهم، لكنّ الرّحماء الشّموليين موجودين أيضًا.

فكرتان اثنتان على ”مذكّرت عالماشي (١) القطّة ووجبة الفول

  1. السبب الأول هو السبب الأساسي بنظري في زمن لا يأمن فيه القريب قبل الغريب 🙁 الله المستعان

    وشكراً للأطفال لإطعام القطة 💜
    وشكراً لبحثك عن ماذا تأكل، لو كنت مكانك كنت سأقدم لها الفول وانتظر رفضها هذا اذا كنت انا آكل الفول أصلاً 😂

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s