(٣) تموتُ وأنت لا تدري

كنتُ أمشي سعيدةً في طريقي إلى محلّ أغراض منزليّة، مزهوّة بمساحة الاختيار الحرّ الّتي أؤتيتها منذ تزوّجت، منتشية بالهواء البارد في المدينة الّتي سكنتها مؤخرًا، وممتنّة للأعشاب المدهوسة والأشجار المترامية.

توقّفت عن الحركة فجأة وسط الشّارع وقلتُ لنفسي: “تموتُ وأنتَ لا تدري”.

هكذا ترادوني أفكار الموت، فجأةً مثلما يفعل الموت نفسه، لا تتسلّل إليّ من خلال مقبرة أو جنازة، لا تأتيني في صور قتلى الحروب ولا أسرّة المستشفيات البيضاء، بل تجريديّة ومفاجأة، تقتحم قفصي الصّدري فتضخّم كلّ شعور حيّ أحمله، الحبّ، اليأس، الأمل، السّعادة، الخوف، الفزع، الفراغ، واللاجدوى.

فكّرتُ ثانية: من السخريّة بمكان أنّ الإنسان لا يملك أيّ اختيار في أهمّ حدثين في حياته، مولده ومماته، لا يعرف الإنسان متى يخرج من عالم الغيب إلى الدّنيا، ومتى يعود من الدّنيا إلى عالم الغيب.

لكنّني عدتُ لأفكّر بأولئك الّذين اختاروا موتهم طواعية، الّذين زحفوا إليه مثلما نزحف إلى الحياة، الّذين جعلوا من موتهم اختيارًا حرًّا، ياه ! ما أعظم أن يجد الإنسان ما يموت لأجله، وهذا أمر مختلف جدًا عن اختيار الموت حين لا يجد الإنسان ما يعيش لأجله.

ثمّ شاهدتُ فيلم The Last Samurai – وهو فيلم رائع جدًا أوصي به -، وحين بدأتِ المعركة بين رجال الساموراي والجيش اليابانيّ، قلتُ لزوجي بأنّني لا أفهم كيف يقدم النّاس على موتهم هكذا، الأمر مخيفٌ جدًا، ثمّ سألته: هل ستدخل في معركة كهذه؟ فأجابني: ” نعم، إذا كانت من أجل ما أؤمن به”، شعرتُ بالحزن، ليس لديّ ما أؤمن به كفاية للقتال في معركة في سبيله.

هذه هي الحلقة النّاقصة، الحلقة الضّعيفة الّتي تجعلني أقلّ انسجامًا مع الكون، الحلقة الّتي تشدّني العدميّة من خلالها، لستُ على وفاق مع الموت، ليس لديّ ما أموت لأجله، قد تكون بعض الأشياء عزيزة لديّ بما يكفي لاقتلاع عينيّ من أجلها، لكن لا شيء، لا شيء مهما كان عزيزًا يستحقّ الموت.

لكنّنا سنموت على أيّة حال، لا يمكن تجاهل هذه الحقيقة، واختيار طريق للموت يبدو منطقيًا أكثر من ترك الأمر برمته للوقت. ومع ذلك نحن نحاول تأجيل الموت قدر استطاعتنا، إنّنا نؤجّل الموت إلى الحدّ الّذي نذهب معه إلى الاستعاذة منه حين نذكره، إلى تجنّب الكتابة عنه، إنّنا لا نذكره إلاّ على حذر وكأنّه سيدخل علينا حين يسمع اسمه، لكن إلى أين نهرب؟ إنّنا نموت كلّ يوم، تموت خلايانا، يتساقط شعرنا، تُوهن أجسادنا، تتحوّل أيّامنا إلى ذكريات، نفكّر فيها كحلم قديم ونحن نتساءل: هل كنّا حقًا ما كنّاه؟ أين ذهب الطّفل الّذي كنّاه يومًا؟ إلى أين يمضي الوقت بعد أن يقطعنا؟

فكرة واحدة على ”(٣) تموتُ وأنت لا تدري

  1. السلام عليكم،
    في الحقيقة أنا سعيد باكتشاف هذه المدونة بعد أن أصبحت المدونات أشبه ما تكون بواحات موسمية في صحراء المواقع الاجتماعية….

    في تقديري أنك تعتقدين أنه ليس لديك ما تموتين من أجله، وليس بالضرورة أن يكون اعتقادك هذا عين الحقيقة، أعني أنه ربما قادك شعور دفين في أعماق نفسك مبناه على استرهاب الموت واستفظاعه إلى هذا الاعتقاد، على كل الإنسان لا يمكنه أن يكون متأكدا في مسألة كهذه ما لم يكن بحاجة إلى اختيار أحد الأمرين ولا بد.

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s