(٤ ) أطفال من أجل الحرّية

children

كان صباحًا عاديًا وروتينيًا، كما أحبّه تمامًا، تناولنا طعام الإفطار بهدوء، تحرّكنا ببطئ مثلما نفعل دومًا وكأنّ العالم لا يلاحقنا، أو كأنّنا قرّرنا التمرّد على عصر السّرعة، ثمّ غادرنا متفرّقين إلى وظائفنا.

على غير عادتها الهوجاء،كانت حركة السّير هادئة، هادئة وبطيئة مثلنا، أخرجتُ رأسي من النّافذة، مذاق الهواء في أنفي غريب، ليس مستهجنًا ولا مرًّا ولا حلوًا، غريب فقط، وضعتُ حزام الأمان الّذي كنت قد نسيته، ورحتُ أتصفّح موقع Reddit على هاتفي المحمول.

فوجئتُ بالعديد من المقالات والصّور والفيديوهات الّتي تتحدّث عن ثورة عالميّة مهيبة، ثورة لم أتوقّعها أبدًا، الأطفال ينتفضون، في ما يشبه ثورة سلميّة، سلميّة جدًا، تويتر ويوتيوب وجميع الشّبكات الاجتماعيّة مشغولة بالحديث عن هذه الثّورة، الأطفال هم محورها، هم فلاسفتها ومنظّريها وصنّاعها، ما الّذي حدث بحقّ الله في هذا الأسبوع؟ سألتُ سائقي بفضول : هل تعرف أنت أيضًا عن ثورة الأطفال هذه؟، – آه يا مدام، لقد غرّر هؤلاء الشياطين بابن أختي، إنّه طفل لطيف وخجول لا يتجاوز الحادية عشرة، ولكنّه انضمّ إليهم، لا أعرف كيف، وهو غائب عن المنزل الآن ولا نعرف أين هو، لكنّنا شاهدناه في فيديو في يوتيوب، يقف إلى جانب أولئك الملاعين !

انتقلتُ بحماس إلى تيليغرام، مباشرة إلى مجموعة صديقاتي: – بنات ما هذا الجنون ! إنّني أقرأ في كلّ مكان عن ثورة الأطفال، حتّى أنّ ابن أخت سائقي انضمّ إلى تلك الثّورة !

– واو يا إحسان، إنّه أمر عظيم ومثير للتأمّل! لم أتخيّل أن يحدث هذا أثناء حياتي!

– صدّقوني إنّهم مجرّد صبية يحتاجون إلى تأديب، يثورون على من؟ على أمّهاتهم اللّواتي أرضعنهنّ وغيّرن لهم الحفائض أم على آبائهم الّذين اشتروا لهم تلك الحفائض البائسة؟

– إنّه أمر مضحك بالفعل! لا تزال تلك الحفائض مبتلّة في قمامة ما !

– لكنّي لم أفهم على ماذا يثورون بالضبّط؟ إنّ أقوالهم متخبّطة وهزلية ومتناقضة أيضًا، آه الأطفال أطفال في النّهاية.

– من الطّبيعي أن تكون أقوالهم متناقضة، لقد خرج الآلاف في هذه الثّورة، بديهيّ أن يحملوا أفكارًا مختلفة.

– آه إحسان أرجوك! هل أنت متحمّسة معهم؟ لا تقولي ذلك! هذا أمر هزليّ! نكتة!

– حسنًا إنّه أمر مثير للاهتمام وهو يذكّرني كثيرًا بثورة النّساء المعاصرة ..

عند تلك النّقطة، وصلتُ مقرّ عملي، لم أشئ أن أناقش أحدًا هناك في هذا الموضوع، على الأرجح أنّه ذو حساسيّة سياسيّة وأنّه سيجرّ خلافات مزعجة، لكنّ هاتفي لم يتوقّف عن إرسال التنبيهات، لقد وصلتني عشرات النّكات والصور الهزلية، ورسالة توعوية تكرّرت بشكل مزعج تتلخّص في دور اليهود القديم في تلك الثّورة، ورسائل تربويّة مملّة تتمحور حول حماية الأطفال من الأفكار الهدّامة.

وضللتُ طيلة النّهار أفكّر في تلك الثّورة، لم أقرأ تفاصيلها بدقّة بعد، ولكنّني بقيتُ أتخيّل تبعاتها المستقبليّة، لقد ثارت العديد من الشّرائح في الماضي وانتصرت جزئيًا، ثمّ الآن بعد كلّ تلك السّنوات، أصبحت حقوق تلك الفئات معترف بها بل وبديهيّة أحيانًا، ماذا عن الأطفال؟ ماذا لو انتصرت ثورتهم؟ هل ستتغيّر الأمور كما يحلمون بها إلى ذلك الحدّ؟

في طريق عودتي من العمل، تصفّحتُ باث علّي أجد مصادر سريعة تلخّص لي مطالب الثوّار الصّغار.

وجدتُ العديد من الأصدقاء يشارك فيديو في ٨ دقائق على يوتيوب يقرأ فيه طفل في بداية مراهقته بيانًا رسميًا ممّن أطلق عليهم ” أطفال من أجل الحرّية “، ركّز البيان على رفضهم الشّديد لمصطلح “قاصر”،  قال الطّفل المتحدّث بأنّ الأكبر سنًّا اخترعوا هذا المصطلح للهيمنة على من هم أضعف منهم والتحكّم بهم، إنّهم يدّعون حمايتهم ولكنّهم يفعلون العكس باستمرار، يقتلونهم في الحروب، يستعملونهم حتّى الموت في مزارع الكاكاو ومصانع الأجهزة الالكترونيّة، أو يزجّون بهم في مدارس معلّبة ويمنعونهم من العمل الكريم، وباختصار، هم لا يريدون للأطفال أن يكونوا أحرارًا، إنّهم يسمّون أنفسهم راشدين ولكنّهم يفسدون العالم ويدمّرون الحياة.

وجدتٌ أيضًا فيديو آخر، قصير جدًا، ربّما مدّته دقيقة أو نصف دقيقة، كان غالبية أصدقائي يهزأون به ويضحكون، تظهر في الفيديو طفلة في الخامسة من عمرها، تقول بأنّها انضمّت إلى الثّورة لأنّ الكبار يحجبون رؤية النّجوم بالتلوث الضوئي الّذي اخترعوه.

انتشرت كذلك تغريدات لأطفال من كلّ أنحاء العالم يعبّرون فيها عن أسباب تأييدهم للثورة أو رفضهم لها، هذه نماذج منها:

” معظم طلاب فصلي أذكى من معلم الجغرافيا الّذي يعتقد بأن خريطة العالم المشهورة هي خريطة واقعية، ومع ذلك ما زال علينا أن نذعن لمعلوماته المغلوطة “

” إلى متى سيستمرّ تقييم الإنسان بناءً على عمره بدلاً من النّظر إلى كفاءاته وشخصيته؟ “

” لا أفهم هذا الهراء الّذين يتحدّثون به، ثورة؟ ضدّ أمّي وأبي؟ هذا جنون وأنا لست أحمق لأنجرف إليه “

” لقد أثبت التّاريخ بأنّ العمر لا علاقة له بأخلاقيّة الإنسان أو عقلانيته، إنّ دونالد كاتربيلر في السّبعين من عمره مثلاً ! “

” لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، حتّى الأطفال غرّروا بهم ضدّ أهاليهم، ثورة النّساء جلبت علينا مصائب! “

” إنّ أوّل إهانة لنا هو اتّهام الدّاعمين البالغين بتحريضنا، نحن لسنا مجموعة من الأغبياء قليلي الحيلة “

بقيتُ صامتة إزاء كلّ ما يحصل لأشهر عديدة، من بين الجميع كانت ردّة فعلي الحقيقيّة منذ البداية هي التفاجئ! بالتدريج، يومًا بعد يوم، أصبح الكبار أكثر تقبّلاً لفكرة هؤلاء الأطفال وازداد عدد المؤيدين من البالغين لهم وتراجع الكثير من الأطفال عن رفضهم السّابق.

تمكّن الأطفال من تغيير بعض القوانين في العديد من المدن وبدأ بعض الآباء بالاستجابة لأبنائهم، ظهرت كتب قليلة تتحدّث عن هذا الموضوع على المستوى النّفسي والاجتماعيّ والمادّي، بعض الإدارات مثلاً وافقت على السّماح للأطفال بالعمل لما سيحدثه ذلك من أثر جيّد على الوضع الاقتصاديّ وقد كتب عالما اقتصاد كتابًا حول هذا.

تمّ السّماح للمراهقين بتكوين عائلات وتغيّرت قوانين الأسرة تبعًا لذلك وعلى الرّغم من أنّني أكتب لكم عن هذا بعد ستّ سنوات من بداية الثّورة إلاّ أنّني لم أجد حتّى الآن رسالة رصينة حول التّأثير الاجتماعيّ لهذا الأمر.

ما زلتُ متردّدة حول رأيي في هذه التغييرات الهائلة حتّى الآن، ما زلتُ عاجزة عن اتّخاذ موقف حاسم، ولكنّني قررتُ الكتابة عنه بعد أن سمعتُ عجوزًا يابانيًا يقول اليوم : ” إنّ أيّ تغيير هو أمر إيجابي “، وتساءلتُ إن كان هذا صحيحًا في ما يخصّ ما حدث؟ ربّما مجرّد معرفة خطأ ما ارتكبه الأطفال هو أمر إيجابيّ حقًا، ربّما .. من يدري؟

 

مصادر الصّورتين:

١. http://valerioberdini.photoshelter.com/gallery-image/Children-of-The-Revolution-Nepal/G00004ujtkj6Wksk/I0000rBBcIZj_iuk

٢. http://valerioberdini.photoshelter.com/gallery-image/Children-of-The-Revolution-Nepal/G00004ujtkj6Wksk/I0000uho8I5KRv6g

أضف تعليقاً

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s