Uncategorized

عن العلاقة بين الاعتداء الجنسيّ ومظهر الضحية

don't get raped
مصدر الصورة : https://healthculturesociety2015.wikispaces.com/Don%27t+Rape,+Not+Don%27t+Get+Raped

كنتُ في نقاش عقيم مع أحد الأشخاص الّذي حاول التّأكيد لي بإلحاح بأنّ هناك علاقة واضحة وبديهية بين لباس الفتاة وبين تعرّضها للتحرّش / الاغتصاب، استعرض هذا الشّخص عددًا كبيرًا من نسب الاغتصاب في المجتمعات الليبرالية الّتي ترتدي فيها النّساء ما يرغبن به دون قيود مؤكّدًا العلاقة بين لباسهنّ وبين تعرّضهنّ للاغتصاب.

هذا النّوع من المغالطات المنطقيّة بسيط وساذج وهو الرّبط بين اقترانين برابط سببيّ دون وجود دلالة على هذا الرّابط، شرحتُ له وجهة نظري ولمّا أعاد سرد احصائيّاته من جديد لم أردّ عليه لأنّي فهمتُ مدى عقم ما سأحاول فعله، لكنّي قرّرت الكتابة عن هذا الموضوع في مدوّنتي.

تُوجد مقالات كثيرة باللغة الانجليزيّة حول العلاقة بين الاغتصاب وبين سلوك الفتاة وملابسها، الكلام الّذي سأقوله تكرّر كثيرًا في هذه المقالات لكنّي لم أجد مقالات عربيّة مشابهة.

لماذا يفكّر النّاس بأنّ الفتاة هي سبب تعرّضها للاعتداء الجنسيّ؟

الاعتداء الجنسيّ هو واحد من الجرائم القليلة الّتي يُلام فيها الضحيّة على حدوثها في أنحاء العالم، والّتي لا تلطّخ المعتدي فحسب بل تلطّخ المعتدى عليه، هذا اللوم لا يحدث فقط في عالمنا العربيّ، رئيس الشّرطة في تورنتو في كندا قد صرّح قبل سنوات بأنّ النّساء سيتجنّبن الاغتصاب لو توقفن عن ارتداء ملابس العاهرات.

لماذا يحدث هذا؟

أولاً: تحمّل المرأة الجزء الأكبر في حدود علاقتها مع الجنس الآخر، لوقتٍ طويل توجّهت النّصائح التربويّة والوعظيّة للمرأة كي تتحاشى وقوع الزنا أو العلاقة المحرّمة، منذ طفولة الفتاة وهي تُربّى على “الحفاظ على شرفها” و”عدم تلطيخ سمعة عائلتها”، ثمّ يأتي الواعظون ليؤكدّون لها مسؤوليتها في الحفاظ على أخلاقية وطهارة المجتمع بل ويتمّ تحميلها خطأ الرّجال، لا زلتُ أذكر الكليشيه الوعظيّ : ” كم شابًا أغويتِ بعباءة الكتف؟ “.

يلعب الشّباب في هذه العلاقة دور “الذّئاب” الّذين تسبقهم غريزتهم، من الصّعب أن يقاوم الرّجل نفسه في ما جُبل عليه فعلى الفتاة إذن تحمّل مسؤوليته، حتّى حين تتعرّض هي للاعتداء، لو كانت عفيفة ومحتشمة لما أثارت غريزة الرّجل، وإذا كانت تخرج بهذا المنظر فماذا تتوقّع من الرّجال؟

ثانيًا: يعتقد النّاس بأنّ  في رفض إلقاء اللوم على الفتاة حين وقوع الاعتداء تشجيع لهنّ على عدم الاحتشام في اللباس وفي هذا ١. تهديد للتشريعات الدّينية / الاجتماعية الّتي يقوم عليها المجتمع، ٢. تهديد للرجل الّذي يعتقد بأنّ أخلاقياته سوف تهتزّ حين يشاهد فتيات غير محتشمات.

ثالثًا: إلقاء اللوم على لباس الفتيات أسهل بكثير من محاولة تغيير ثقافة المجتمع ودراسة سلوك المغتصبين ولومهم وحدهم ومحاولة إيجاد وسائل لحماية النّاس من التعرّض للاعتداء.

رابعًا: حقيقة أنّ الرّجال يُستثارون جنسيًا من النّظر إلى النّساء تدفع البعض للتفكير بأنّ الاستثارة الّتي أُتبعت باعتداء لا بدّ وأن سبقها سلوك / مظهر أُصدر من الضحيّة، هؤلاء يفسّرون تصرّفات المرأة أو مظهرها بالرّغبة في دخول علاقة ويأخذون هذا التّفسير على محمل قطعيّ.

لماذا من غير المنطقيّ أن نلوم الفتاة حين تتعرّض للاعتداء؟

أولاّ: إذا سلّمنا بأنّ الفتيات الفاتنات يتعرّضن للاعتداء فماذا عن الأطفال والرّجال الّذين يتعرّضون لمثل هذا أيضًا؟، أين هو موقعهم من هذا التّسليم؟ ذكرت صحيفة الرّياض في دراسة لها بأنّ من بين كلّ ٤ أطفال واحد تعرّض للاعتداء أو التحرّش الجنسيّ في السعودية، ماذا فعل هؤلاء الأطفال؟ ماذا كانوا يرتدون؟ هل يمكن لنا لومهم؟

إذا كان الاعتداء على الأطفال يتمّ بهه الصّورة المقلقة – ونحن لا نحتاج إلى إحصائيّات حتّى لإدراك ارتفاع الاعتداء على الأطفال في السعودية – دون أن يرتدوا ملابس فاتنة أو مكياج أو عباءات ضيقة أو تنانير قصيرة فماذا عن الفتيات؟

هل تعرفون بأنّ ثقافة لوم المعتدى عليه تنتقل من الفتيات إلى الأطفال؟ ذكرت إحدى الباحثات في مقال لها بأنّ رجلاً اغتصب طفلة ذات خمس سنوات قال لها بأنّ هذه الطّفلة كانت تلعب في حضنه فأثارته واعتقد بأنّها أعطته الضّوء الأخضر فاعتدى عليها ! أجل ! طفلة ذات خمس سنوات !

ثانيًا: ذات الاحصائيّات الّتي يستخدمها البعض لإثبات أنّ المرأة الغربيّة – رغم كراهيتي لهذا الاختزال – أكثر تعرّضًا للاغتصاب لأنّها ترتدي ملابس فاضحة، تقدّم معلومات فيها دلالة على عدم وجود هذا الاقتران، هذه الدّراسات تؤكّد على أنّ الاغتصاب يتعلّق بشخصيّة المعتدي أكثر بكثير ممّا تتعلّق بسلوك الضحيّة، على سبيل المثال الرّجال المدمنين للكحول والّذين يصاحبون أفرادًا داعمين لتعنيف المرأة نفسيًا وجسديًا أكثر عرضة من غيرهم لأن يتحوّلوا إلى مغتصبين، وكذلك ظهر في هذه الإحصائيّات بأنّ الّذين التحقوا ببرامج علاج وتأهيل الرّجل اقترفوا جرائم اعتداء أقلّ بـ ٤٠ ٪ من غيرهم، كما أنّ خطورة الّذين مارسوا العنف الجنسي منهم انخفضت ٨ مرّات أقلّ من غيرهم .

٣٤٪ من ضحايا الاغتصاب في أمريكا – وهي النّسبة الأعلى من بين جميع الأعراق – هنّ أمريكيات الأصل ( Native Americans ) ومن سكّان ألاسكا الأصليّات، هؤلاء النّسوة من مجتمعات محافظة وغير مبتذلة وخصوصًا في ألاسكا حيث لا يسمح الجوّ البارد بالتعرّي.

ثالثًا: حسب هذه الدراسة الّتي أجرتها Theresa Meiner ، لا يبحث المعتدي عن امرأة ترتدي ملابس فاضحة، بل عن امرأة تظهر بمظهر مستسلم وسلبيّ حيث يتمكّن الرّجل منها، معظم الضحايا ضعيفات الحضور والإصرار والهيمنة، وبينما يعتقد النّاس عامّة بأنّ جاذبية النّساء تؤثّر في فرص وقوعهنّ ضحيّة للاغتصاب إلاّ أنّ هذا المظهر الضعيف والمنكسر غير مرتبط بالجاذبية أبدًا.

رابعًا: توجد دوافع مختلفة للاغتصاب ليست منحصرة فقط على الإشباع الجنسيّ، إثبات الرّجولة والسّيطرة على سبيل المثال، أو إيذاء الآخر حسب هوّيته العرقية / الوطنية / الدّينية، الانتقام من الفتاة أو من أحد ذويها، فقدان السّيطرة بتناول الخمور أو بالمخدرات.

نصادف كثيرًا في مواقع التّواصل الاجتماعيّ تهديدًا رخيصًا وضعيفًا من بعض الشّباب باغتصاب الفتيات الخارجات عن المنظومة الأخلاقيّة أو حتّى المطالبات بتغييرات اجتماعيّة وقانونيّة، توجد أيضًا تهديدات تطال الشّباب الّذين يظهرون بمظهر أنثويّ، لم أسمع أبدًا بمن نفّذ تهديداته فهي كما قلت كلام رخيص وضعيف، لكنّ التّصور الذهنيّ الموجود عند المهدّد هو تصوّر موجود عند بعض المعتدين أيضًا: ” سأعلّمكِ درسًا قاسيًا كي تحترمي رجولتي” .

لماذا يتوجّب علينا أخلاقيًا ألاّ نلوم ضحيّة الاعتداء؟

أشعر وأنا أكتب هذه الكلمات بحزن عميق لاضطراري لتوضيح الواضحات وشرح البديهيات.

الاعتداء الجنسيّ على الأشخاص هو اعتداء بدنيّ ونفسيّ ينال الشيء الكثير من الضحيّة ويؤثّر به تأثيرًا عميقًا لا يتجاوزه إلاّ قلّة من النّاس، هذا التّأثير لا ينقصه الإشارة لملابس الضحيّة أو سلوكه للتخفيف من حجم الذّنب الّذي اقترفه المعتدي.

ترتفع نسبة الضّحايا الّذين يحاولون الانتحار أو يتّجهون إلى المخدرات أو يصابون لشهور باضطراب ما بعد الصّدمة، أو يرفضون الزّواج رفضًا قاطعًا، أو يصابون بالرعب من ممارسة الجنس بعده – أعرف شخصيًا فتياتٍ مصابات بجلّ هذا – لا أحد يسأل ذلك، لا أحد يبحث عنه، لا أحد يلمّح للآخرين عن طريق ملابسه بأنّه يرغب بهذا الشّقاء.

يجب مرّة ومرّتين وثلاث وعشر بألاّ يشكّل الاغتصاب عارًا على الضّحية،  يجب ألاّ نعاقبه بذنب هو المتضرر الأوّل فيه، ونعم، مجرّد الإشارة إلى سلوك الضّحية عند الحديث هو تعريض قبيح وسافل حتّى لو حاول المتحدّث إتباع كلامه أو إسباقه بالتأكيد على أنّ المغتصب ما زال مجرمًا يجب معاقبته.

الإنسان ليس “مالاً سائبًا” ولا “لحمًا رخيصًا”،  الاعتداء الجنسي لا يختلف عن الاعتداء بالضرب أو التعذيب بل كثيرًا ما يتضمناها، ونحن لا نشير لضعف ضحيّة التعذيب ولا لإهمال ضحيّة الضّرب والتنمّر لأنّه لا يوجد أي منطق أو مبرّر للوم الضحية على ما يقع عليه، فلماذا نستمرّ بالإشارة لملابس ضحايا الاغتصاب وسلوكهنّ بدلاً من التركيز على حلول لردع المعتدين؟

تعلمون ماذا؟ ما زلتم تنكرون الأمر، افتحوا محرّك بحث Google وابحثوا عن صور ضحايا الاغتصاب في مشهد الجريمة وتمعّنوا فيهنّ جيّدًا جيّدًا، تمعّنوا جيّدًا علّ قلوبكم تبتلّ وتدركون فداحة كلماتكم.

.

.

المصادر:

https://cultureofrespect.org/program/the-mens-program/

https://www.rainn.org/statistics/victims-sexual-violence

http://rapecrisis.com/statistics/

http://www.oneinfourusa.org/statistics.php

https://en.wikipedia.org/wiki/Rape_in_Sweden

https://sabq.org/sfQo5d

http://www.alyaum.com/article/4075106

Advertisements

6 thoughts on “عن العلاقة بين الاعتداء الجنسيّ ومظهر الضحية”

  1. إحسان؛ اليوم الصباح كنت أفكر بالموضوع في القطار. كنت اتسائل… وفجأة شفت تدوينتك.
    شكرًا!

    أول مقال اقرأه لك وأحس إني طحت على كنز ⭐️

  2. ما شاء الله تبارك الله على هذه العقليه النظيفه والواعيه ، ذكرني موضوعك بحادثه منشره بشكل كبير وهي إغتصاب
    ( الكلاب) حتى الموت ، فهل فعلا كانت تلك الكلبات تمشي بطريقه مثيره فالطريق أو تلبس لباساً مغرياً ؟ واللهي لم يتركوا امرأه ولا طفل ولا حيوان في حاله

  3. هالموضوع من فترة تناقشت فيه مع كذا احد وانصدمت انهم نفس هالتفكير ان البنت الغير محتشمة تعطي الحق لأي احد انه يغتصبها والأشد انهم يحكمون بعد على اساس ديني ، ويتجاهلون ان الزنا حكمه ثابت سواء المتحرش فيه محتشم ام لا مع ان ذنب الاغتصاب اشد وأعظم من ذنب اللا احتشام . ناهيك عن تجاهلهم للأمر الصريح اللي ربي وجهه لهم (قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِكَ أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ )

  4. تأكدت أن لوم الضحية “المرأة” في الإغتصاب هو جزء من الهيمنة الذكورية عندما تعرضت أنا شخصيا للإغتصاب من قبل لص داهم منزلنا، كان رجال الشرطة يلقون علي اللوم بقولهم: ( ليش كنتِ صاحية في الليل لحالك!)
    الموضوع ليس مرتبطا بمظهر الفتاة أكثر من كونه إخلاء مسؤولية الرجل.

    1. للاسف يا احسان لا يعون البعيد قاسي والاقرب اقسى انا واحده كنت اتعرض للتحرش وانا طفلة من قبل أبي وبطبيعة الحال كأي طفله لم اعي ماكان يحدث وعندما وعيت وتفاقمت المشاكل اخبرت امي بالبدايه لم تصدقني وعندما صدقتني بدأت بلومي وإلى الان وانا اعاني الأمرين الاثار النفسيه التدميرية التي طالتني من جهه ولومها وحديثها عن العار من جهه اخرى.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

WordPress.com Logo

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   / تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   / تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   / تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   / تغيير )

Connecting to %s