عيد ميلادي الثّلاثين، لا شيء يتغيّر ..

يصادف اليوم عيد ميلادي الثلاثين، وقد كنتُ أشعر دائمًا بتوق كبير وحماس لبلوغ هذا العمر، ربّما لارتباطه بعمر أهل الجنّة، أو على الأرجح لأنّني تخيّلتُ نفسي بهيئة لم أكن عليها أبدًا، امرأة لا فتاة، ليدي .. ترتدي بدلة رسمية داكنة لأوّل مرّة في الحياة، ذات صوت منخفض، تضحك قليلاً، الحياة لا تثير سخريتها، تعرف إجابات الأسئلة البسيطة مثل: ما الّذي ترغبين بتناوله؟ وتفضّل السّفر إلى منتجعات فاخرة عوضًا عن الغرف المشتركة أو المنازل المحلّية في Airbnb.

حسنًا، أنا اليوم أبلغ الثلاثين، ما زلتُ فتاة، فتاة صغيرة، مراهقة أحيانًا، طفلة أحيانًا أخرى، لكنّي بكل تأكيد لستُ المرأة الناضجة الّتي تخيّلتها، لديّ بدلة رسمية واحدة، صفراء اللون، منقوشة بالأزهار والأغصان، ربّما تكون أغلى ملابسي على الإطلاق ولذلك لم أجرؤ على ارتدائها حتّى الآن، وأؤكد لك بأنّك لن تأخذني بجدّية وأنت تراني أرتديها لكنّها على الأقل الخيط الوحيد الّذي يربطني بالـ ladyness !

أتساؤل إن كنتُ سأصل يومًا إلى النّضوج الّذي تصوّرته، في طفولتي حين زرتُ الجامعة لأوّل مرّة، فتنتني رزانة وسكون الطّالبات الجامعيّات، آمنتُ بأنّني سوف أصبح مثلهنّ حين أكبر ولا زلت أتذكّر جيدًا الحماس الّذي دبّ في نفسي، كان لديّ توق لما أسميته بالـ “استقرار”، أمّا الآن فأسمّيه mental stability، في أوّل سنوات المراهقة بكيتُ بشدّة على فراشي لأنّني بالغة ولكنّني لستُ مستقرّة، سألت أمّي: متى سوف أستقرّ؟ وفي الغالب لم تفهم ما عنيته.

استيقظتُ صباح الأمس على سؤال: كيف أصف نفسي بكلمة واحدة؟ “مريضة” قلتُ لنفسي بأنّ هذا وصف غير جيّد، أنا لا أحتاج إلى طبيب، لكنّي سوف أقبل بكلمة “معتلّة”، نعم أنا معتلّة، وأزداد اعتلالاً مع الوقت، في الماضي وصفتني إحداهنّ بـ: “مساميرك مخلخلة”، كان ذلك صحيحًا حينها، أمّا الآن فإنّ أقرب وصف للدقة قيل لي: “في مشكلة في الـ core حقك”، إنّني لا أتفاخر بهذا، على العكس أنا محبطة جدًا من نفسي، لا يمكن إعادة تقويمي، سوف يتطلّب هذا إعادة تشغيل لتاريخي الخاص، زر reset، وهذا غير ممكن على الأقل في الوقت الحالي.

مرّت بي لحظات كثيرة فكّرت فيها باعتزال الجميع، لأنّني أعتقد بأنّ وجودي حولهم غير صالح، إذا عرف النّاس حقيقتي فعلى الأرجح سوف ينعتونني بالكاذبة أو المخادعة أو المضلّلة، هذا غير صحيح بالضّرورة، أتصوّر بأنّ المشكلة الأساسية بدأت حين تبعتُ الأرنب إلى جحره، وهناك انتهيتُ في غرفة المرايات، يستطيع بعض الأذكياء النّطر إلى كلّ انعكاس على حده، هؤلاء نادرون جدًا! أمّا أنا فأنتمي للذين ينظرون إلى كلّ المرايات دفعة واحدة، ولذلك من الصّعب عليّ الإجابة عن الأسئلة البسيطة، أحيانًا أغمض عينيّ لأنّ رؤية كلّ هذا مربك ومقلق.

لكنّني مع الوقت تعلّمت بأنّ أسوأ ما قد أرتكبه في حقّ نفسي هو اعتزال الجميع، النّاس هم أفضل distraction، إنّ الأمور الّتي تدور في عقلي تجريديّة جدًا، النّاس يساعدونني على خلق السّياق، في الغالب أشعر بندم شديد وبشعور غائم بعد خوض النّقاشات، لكنّني أعرف بأنّها ضرورية.

 

ما الّذي كنتُ سأفعله لو كنتُ أصغر بقليل؟ لا يهمّ كم هو عمري لكنّ الإجابة دائمًا واحدة، سوف أتعلّم أكثر، وعلى الخصوص سوف أتعلّم لغات عديدة، أيضًا سوف لن أستخفّ بأحلامي أبدًا مهما بدت مستحيلة، قبل ٤ سنوات تقريبًا أخبرتُ زوجي – لم نكن متزوّجين حينها – بأنّني أحلم بالذّهاب لحفلة موسيقيّة لإحدى الفرق في اليابان، كان ردّه جادًا، سألني عمّا إذا كنتُ أعرف أحدًا هناك وعن مدى اطّلاعي على الإجراءات؟ وقد أغضبتني تلك الجدّية – لحماقتي -، كنتُ أحلم للتسلية ولتمضية الوقت وكانت لديّ قناعة حقيقيّة بأنّه من الأفضل ألاّ آخذ هذه الأحلام على محمل الجدّ.

لكنّني كنتُ في اليابان قبل أسبوعين تقريبًا، وفهمتُ كم كنتُ حمقاء وكم كان زوجي محقًا.

وفي اليابان أدركتُ أمرًا مهمًّا كان غائبًا عنّي، لقد لاحقتُ شبابي لفترة طويلة، كان لديّ رعب شديد من انقضاء الوقت، وكأنّ الخيارات تتضاءل كلّما كبرنا، – من الّذي غرس فينا هذه الفكرة؟ – لقد علّمتني اليابان بأنّ الخيارات تكبر كلّما كبرنا إذا استطعنا الحفاظ على أجسادنا من الانهيار المبكّر، أيقظ فيني العجائز هناك الرّغبة في أن أكبر تمامًا كما يوقظ الشّباب في الأطفال الرّغبة في أن يكبروا.

ومن بين هؤلاء العجائز بالذّات، عجوزٌ في السّتينات من عمره ذهبتُ برفقته في رحلة لتسلّق الجبال، أخبرني بأنّه شبه متقاعد، يعمل ثلاثة أيّام في الأسبوع ويمارس هوايات عديدة بقيّة الأيّام، كانت مرّته الأولى في تسلّق الجبال لكنّ لياقته كانت أعلى من ليقاتي، قال لي بأنّه يلعب التّنس منذ وقت طويل وبأنّ تدريبات التّنس الشاقّة أصعب عليه من تسلّق الجبال، ومثل الأطفال تمامًا أخبرته بأنّه محظوظ وبأنّني أتمنّى أن أصبح مثله عندما أكبر.

 

رأيان على “عيد ميلادي الثّلاثين، لا شيء يتغيّر ..

  1. أستطيع القول بأن هذه المقالة أفضل ماسمعت وقرأت وعلمت عن سن الثلاثين المرعب !!
    كل عام وأنتِ أفضل و أجمل 💜

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s