عيد ميلادي الثّلاثين، لا شيء يتغيّر ..

يصادف اليوم عيد ميلادي الثلاثين، وقد كنتُ أشعر دائمًا بتوق كبير وحماس لبلوغ هذا العمر، ربّما لارتباطه بعمر أهل الجنّة، أو على الأرجح لأنّني تخيّلتُ نفسي بهيئة لم أكن عليها أبدًا، امرأة لا فتاة، ليدي .. ترتدي بدلة رسمية داكنة لأوّل مرّة في الحياة، ذات صوت منخفض، تضحك قليلاً، الحياة لا تثير سخريتها، تعرف إجابات الأسئلة البسيطة مثل: ما الّذي ترغبين بتناوله؟ وتفضّل السّفر إلى منتجعات فاخرة عوضًا عن الغرف المشتركة أو المنازل المحلّية في Airbnb.

حسنًا، أنا اليوم أبلغ الثلاثين، ما زلتُ فتاة، فتاة صغيرة، مراهقة أحيانًا، طفلة أحيانًا أخرى، لكنّي بكل تأكيد لستُ المرأة الناضجة الّتي تخيّلتها، لديّ بدلة رسمية واحدة، صفراء اللون، منقوشة بالأزهار والأغصان، ربّما تكون أغلى ملابسي على الإطلاق ولذلك لم أجرؤ على ارتدائها حتّى الآن، وأؤكد لك بأنّك لن تأخذني بجدّية وأنت تراني أرتديها لكنّها على الأقل الخيط الوحيد الّذي يربطني بالـ ladyness !

أتساؤل إن كنتُ سأصل يومًا إلى النّضوج الّذي تصوّرته، في طفولتي حين زرتُ الجامعة لأوّل مرّة، فتنتني رزانة وسكون الطّالبات الجامعيّات، آمنتُ بأنّني سوف أصبح مثلهنّ حين أكبر ولا زلت أتذكّر جيدًا الحماس الّذي دبّ في نفسي، كان لديّ توق لما أسميته بالـ “استقرار”، أمّا الآن فأسمّيه mental stability، في أوّل سنوات المراهقة بكيتُ بشدّة على فراشي لأنّني بالغة ولكنّني لستُ مستقرّة، سألت أمّي: متى سوف أستقرّ؟ وفي الغالب لم تفهم ما عنيته.

استيقظتُ صباح الأمس على سؤال: كيف أصف نفسي بكلمة واحدة؟ “مريضة” قلتُ لنفسي بأنّ هذا وصف غير جيّد، أنا لا أحتاج إلى طبيب، لكنّي سوف أقبل بكلمة “معتلّة”، نعم أنا معتلّة، وأزداد اعتلالاً مع الوقت، في الماضي وصفتني إحداهنّ بـ: “مساميرك مخلخلة”، كان ذلك صحيحًا حينها، أمّا الآن فإنّ أقرب وصف للدقة قيل لي: “في مشكلة في الـ core حقك”، إنّني لا أتفاخر بهذا، على العكس أنا محبطة جدًا من نفسي، لا يمكن إعادة تقويمي، سوف يتطلّب هذا إعادة تشغيل لتاريخي الخاص، زر reset، وهذا غير ممكن على الأقل في الوقت الحالي.

مرّت بي لحظات كثيرة فكّرت فيها باعتزال الجميع، لأنّني أعتقد بأنّ وجودي حولهم غير صالح، إذا عرف النّاس حقيقتي فعلى الأرجح سوف ينعتونني بالكاذبة أو المخادعة أو المضلّلة، هذا غير صحيح بالضّرورة، أتصوّر بأنّ المشكلة الأساسية بدأت حين تبعتُ الأرنب إلى جحره، وهناك انتهيتُ في غرفة المرايات، يستطيع بعض الأذكياء النّطر إلى كلّ انعكاس على حده، هؤلاء نادرون جدًا! أمّا أنا فأنتمي للذين ينظرون إلى كلّ المرايات دفعة واحدة، ولذلك من الصّعب عليّ الإجابة عن الأسئلة البسيطة، أحيانًا أغمض عينيّ لأنّ رؤية كلّ هذا مربك ومقلق.

لكنّني مع الوقت تعلّمت بأنّ أسوأ ما قد أرتكبه في حقّ نفسي هو اعتزال الجميع، النّاس هم أفضل distraction، إنّ الأمور الّتي تدور في عقلي تجريديّة جدًا، النّاس يساعدونني على خلق السّياق، في الغالب أشعر بندم شديد وبشعور غائم بعد خوض النّقاشات، لكنّني أعرف بأنّها ضرورية.

 

ما الّذي كنتُ سأفعله لو كنتُ أصغر بقليل؟ لا يهمّ كم هو عمري لكنّ الإجابة دائمًا واحدة، سوف أتعلّم أكثر، وعلى الخصوص سوف أتعلّم لغات عديدة، أيضًا سوف لن أستخفّ بأحلامي أبدًا مهما بدت مستحيلة، قبل ٤ سنوات تقريبًا أخبرتُ زوجي – لم نكن متزوّجين حينها – بأنّني أحلم بالذّهاب لحفلة موسيقيّة لإحدى الفرق في اليابان، كان ردّه جادًا، سألني عمّا إذا كنتُ أعرف أحدًا هناك وعن مدى اطّلاعي على الإجراءات؟ وقد أغضبتني تلك الجدّية – لحماقتي -، كنتُ أحلم للتسلية ولتمضية الوقت وكانت لديّ قناعة حقيقيّة بأنّه من الأفضل ألاّ آخذ هذه الأحلام على محمل الجدّ.

لكنّني كنتُ في اليابان قبل أسبوعين تقريبًا، وفهمتُ كم كنتُ حمقاء وكم كان زوجي محقًا.

وفي اليابان أدركتُ أمرًا مهمًّا كان غائبًا عنّي، لقد لاحقتُ شبابي لفترة طويلة، كان لديّ رعب شديد من انقضاء الوقت، وكأنّ الخيارات تتضاءل كلّما كبرنا، – من الّذي غرس فينا هذه الفكرة؟ – لقد علّمتني اليابان بأنّ الخيارات تكبر كلّما كبرنا إذا استطعنا الحفاظ على أجسادنا من الانهيار المبكّر، أيقظ فيني العجائز هناك الرّغبة في أن أكبر تمامًا كما يوقظ الشّباب في الأطفال الرّغبة في أن يكبروا.

ومن بين هؤلاء العجائز بالذّات، عجوزٌ في السّتينات من عمره ذهبتُ برفقته في رحلة لتسلّق الجبال، أخبرني بأنّه شبه متقاعد، يعمل ثلاثة أيّام في الأسبوع ويمارس هوايات عديدة بقيّة الأيّام، كانت مرّته الأولى في تسلّق الجبال لكنّ لياقته كانت أعلى من ليقاتي، قال لي بأنّه يلعب التّنس منذ وقت طويل وبأنّ تدريبات التّنس الشاقّة أصعب عليه من تسلّق الجبال، ومثل الأطفال تمامًا أخبرته بأنّه محظوظ وبأنّني أتمنّى أن أصبح مثله عندما أكبر.

 

الأفكار الّتي سقطت من نصوصي الأخيرة

“لم أكن أريد إلاّ العيش وفق الدّوافع الّتي تنبع من نفسي الحقيقيّة، فلمَ كان الأمر بهذه الصّعوبة؟”

– هيرمان هيسه

 

  • منذ قرأتُ رواية دميان والّتي استفتحها هيسه بالعبارة أعلاه حتّى دخلت حياتي منعطفًا أصبح الخروج منه أمرًا عسيرًا لم أقدر عليه حتّى الآن، أريد العيش وفق الدّوافع الّتي تنبع من نفسي الحقيقيّة، أريد أن أكون حقيقيّة وحرّة، حتّى لو حملني هذا على خسارة معتقدات سابقة، حتّى لو جعلني هذا غريبة بين النّاس، حتّى لو أدّى بي هذا إلى ارتكاب الأخطاء والحماقات والسخافات، سألمّ نفسي في كلّ مرة أتعثّر أو أتبعثر فيها وأكرّر محاولاتي في أن أكون الشّخص الحقيقيّ، أو ربّما – كما فهمت مؤخّرًا – في أن أكون أفضل وأصدق نسخة منّي.

 

  • قضيتُ وقتًا طويلاً من حياتي في محاولة التحوّل من ردّة فعل إلى فعل محايد، أحاول أنّ أغضّ بصري عن تاريخيّ الشخصيّ حين أبدي رأيي بفكرة أو حدث أو مشكلة، لكنّ تاريخي يبرز أمامي في كلّ مرّة أغمض فيها عينيّ، مختلطًا بعروق البؤبؤين، لا أستطيع التخلّص منه، ثمّ فهمتُ بأنّني أستطيع فعل ما هو أفضل من التخلّص، أستطيع تعريف تاريخي الخاصّ وتأطيره:
    • أنا أنصحك بهذا رغم أنّني مررت بتجربة مختلفة حدث لي فيها كذا.
    • لا أدعّي بأنّه الرّأي الصّائب، لكنّني أميل إليه لأنّ حياتي انقلبت رأسًا على عقب حين قمتُ بفعل كذا.
    • تضرّرت شخصيًا من فعل كذا لكنّني ما زلتُ مصرّة على أنّه الفعل الصّحيح.

 

  • أتذكّر نفسي قبل سنوات عدّة، أجلس على الفريزر الكبير في المطبخ وأقول لأمّي بتذمّر: أنا متناقضة، لا أريد أن أكون متناقضة، أنا مثل علم سباق الرالي، مربّعات بيضاء ومربّعات سوداء، لا أريد ذلك. كنتُ حينها في المتوسّطة، لا أتذكّر بالضبّط كيف أجابتني أمّي، ربّما قالت لي: أين ترين تناقضك؟ وربّما قالت لي: كلّ النّاس يشعرون بهذا ويمرّون به، ولكنّي أتذكّر الغضب الشّديد الّذي كان يتملّكني، هذا الغضب المبكّر يوحي لي بمدى أصالة رغبتي الشديدة في فهم نفسي، خلال السّنوات الّتي تلت ذلك التساؤل، كنتُ مهووسة بالتناقض، لا أريد أن أكون متناقضة وأكره المجتمع لأنّه متناقض، إذا آمنت بالشيء فعليك فعله، إذا أخبرت النّاس بأنّ س هو الصّواب فعليك الالتزام به، لماذا ترتدين الحجاب وتظهرين جزءًا من شعرك؟ لماذا تأمرنا بالأخلاق وأنت تستخدم ألفاظًا سافلة؟، استغرقتُ وقتًا طويلاً قبل التّصالح مع تناقضي الخاصّ ومن ثمّ تناقض الآخرين، ساعدني أصدقائي على ذلك، أتذكّر بيان عندما قالت لنا بشكل عابر: نعم أنا متناقضة وهذا جزء من بشريتي، بالتدريج أدركت بأنّنا جميعًا لا نستطيع الالتزام بالصّواب طيلة الوقت، نحن نخطئ أحيانًا ونكره أنفسنا لذلك، ونحن أحيانًا لا نرى التناقض الّذي يراه الآخرون، أنا مثلاً أجد أنّه من المدهش أن تضع فتاة صورة خليعة في الشّبكات الاجتماعية بينما تنصح الآخريات بالحجاب، لكنّها على الأرجح ترى الأمر بشكل مختلف، بشكل أكثر انفصالاً ممّا أراه أنا.

 

  • يسوؤني جدًا أن أشعر بالحزن أو الضّيق دون أن أعرف السّبب، هناك مجموعة من الأسئلة الّتي أطرحها على نفسي حين تملؤني المشاعر السلبيّة: هل أكلتِ اليوم؟ هل أكلتِ أكثر من اللازم؟ هل الغرفة الّتي تجلسين فيها نظيفة ومرتّبة كفاية؟ هل اتّفقت مع أحد ما على إجراء مكالمة أو لقاء ولكنّك لا تشعرين بالرّغبة بمقابلته؟ هل تشعرين بآلام في الظّهر/الرّقبة؟ ما هو اليوم من الشّهر؟ هل أنتِ غير راضية عن أدائك في العمل اليوم؟ هل أغضبتِ أحدًا ما؟ هل ترغبين بشرب القهوة؟ الشوكلاته الساخنة؟

 

  • كلّما كبرت كلّما زهدتُ في محاولة إقناع النّاس بأفكاري، ليس لأنّني فقط أزداد زهدًا بأهميّة أفكاري ذاتها، ولكنّني أتخيّل الأفكار مثل أرقام على ساعة دائرية، تتغيّر أحيانًا لكنّها تعود لنفس النّقطة دائمًا. صادفتُ بالأمس فتاة مقتنعة بأنّ النّساء لا يصلحن للزواج قبل عمر الـ ٢٣، وتقترح بأن نمنع الزواج قانونيًا لمن هم دون هذا العمر حتّى لو كان هذا اختيارهم، أردتُ أن أخبرها بأنّ البشر يكافحون منذ وقت طويل من أجل الحصول على حريّات بسيطة مثل حرية الزواج وقت ما نشاء وبمن نشاء، لكن ما الفائدة المرجوّة من كلامي؟ تنفيس عن أفكاري لا أكثر، ولماذا أزعج من لا أعرفه بهذا التّنفيس؟

 

  • لماذا كتبتُ كلّ هذا؟ تنفيس عن أفكاري لا أكثر، ولماذا أزعج من لا أعرفه بهذا التّنفيس؟

رحلتي خلال عام في تعلّم العزف على القيتار (١)

العمل الجاد يهزم الموهبة حين لا تعمل الموهبة بشكل جادّ

تيم نوتكي

 

مرّ عام تقريبًا منذ بدأتُ بتعلّم العزف على آلة القيتار، ولا زلتُ أتذكّر بغبطة عثرات البداية، عجزي عن الوصول إلى المفاتيح المطلوبة، تنقلي البطيء جدًا، حركة يداي المهزوزة غير المنتظمة، اللحظات العديدة الّتي شعرتُ باليأس فيها إذ أنّني لا أمتلك الموهبة الكافية أو أنّ هذا الأمر لا يصلح لي أبدًا.

كنتُ أستمع إلى العديد من محترفي القيتار ممّن يؤكدون على ضرورة وجود معلّم مباشر، لكنّني لم أستطع الحصول على واحد بتكاليف مناسبة، فصمّمتُ على البدء بنفسي في بداية العام الماضي، وتدرّبت لبضعة أشهر ثمّ انقطعتُ لأشهر أخرى، ثمّ عدتُ إلى التدريب بشكل أقوى وأكثف، حتّى انتهى العام، وخرجت بنتيجة مرضية، وأتشوّق بشدّة لاستمرارية الرّحلة هذا العام والأعوام الّذي تليه.

 

 

لماذا القيتار؟

إذا كان لي أن أعيد اختيار أوّل آلة أتعلّمها فلعلّها تكون البيانو لا القيتار، فالبيانو مصمّم بشكل منسجم تمامًا مع النّظرية الموسيقية Music Theory، حتّى أنّ معلّميها يستخدمون البيانو عادة في شرح الـ notes والـ octave وغيرها من المفاهيم، فعلى سبيل المثال أن تعرف أين يقع السلّم المشهور  C Major أو “دو” على البيانو أسهل بكثير من القيتار.

 

المصدر: https://www.pianoscales.org/major.html

 

المصدر: https://nationalguitaracademy.com/c-major-scale-guitar/

كما أنّ البيانو يعطيك مردودًا جيدًا على تدرّبك كمبتدئ، فالعزف على أغنية بسيطة مثل “سنة حلوة” أسهل على البيانو من القيتار، المفاتيح مقابلة لك أمام عينيك، عليك معرفتها وتدريب أصابعك على الضغط عليها والتنقل بينها بسرعة مناسبة وبشكل متوازن بين اليدين – وهذا ليس سهلاً بالمناسبة – لكنّ الأمر مع القيتار هو أنّ المفاتيح (frets) ليست أمامك بل عليك تدريب ذاكرة أصابعك كي تتعرّف عليها دون رؤيتها، وعليك أيضًا أن تتدرّب على الضغط على المفتاح في المكان المناسب وبشكل دقيق وإلاّ ستصدر نشازًا مزعجًا وبالمناسبة، التخلّص من وجود هذا النّشاز عند العزف يأخذ من متدرّبي القيتار وقتًا طويلاً.

والأمر مجملاً ليس بهذه البساطة، على سبيل المثال قابلت عازف قيتار فلبيني في الخبر أخبرني بأنّه يحب البيانو جدًا لكنّه يستصعبه ويعتقد بأنّ القيتار أسهل بكثير للمبتدئين، فاجئني هذا إذ كنت أعتقد حينها بأنّني قرأت في هذا الموضوع بما فيه الكفاية وخرجت بنتيجة معاكسة، ولمّا حاورته أكثر اتضّح لي بأنّه عاش في مكان حيث يعزف الكثير من النّاس القيتار وقد نشأ على صوته وكوّن معه علاقة مبّكرة على عكس البيانو.

على كلّ حال، كتجربة شخصيّة جدًا، سأفضّل البدء بالبيانو عوضًا عن القيتار خصوصًا وأنّي مهتمّة بفهم النّظرية الموسيقية، لكن يبقى القيتار خيارًا جيدًا من نواح أخرى إذ أنّه أرخص وأسهل في التنقّل، هذه النّقطة بالذّات مهمّة وشاعرية بالنّسبة لي.

قيتاراتي :

ما زلت أتذكّر بوضوح اليوم الّذي اقتنيت فيه أوّل قيتار لي، حين ذهبتُ إلى معرض الدوليّة للأجهزة واشتريت أول وأرخص قيتار وقعت عليه عيناي، لم أبحث كثيرًا في الموضوع، لم أقرأ مثلا حول القيتارات الأنسب للمبتدئين، بكلّ صدق اعتقدت بأنّ للقيتار نوعين فقط: أكوستيك والكتريك، لم أقرأ حول أنواع الأوتار المختلفة، ولا أنواع الخشب المختلفة، ولا عن الأشكال المتعددة لأجسام القيتار، بل اخترت واحدًا بكلّ عشوائية بالاعتماد على شكله وسعره الّذي كان ٣٥٠ ريالاً.

ولحسن حظّي كان هذا الاختيار مناسبًا لي، كلاسيك قيتار من ياماها (C70) بأوتار من النايلون وخشب خفيف، ساعدني النايلون كثيرًا في تقليل الإصابات المعروفة في أصابع اليد اليسرى جرّاء الضغط على مفاتيح القيتار، وساعدني الخشب الخفيف على تحمّل وزن القيتار.

IMG_6096
إصابات أطراف أصابعي في أوّل أيام تدريبي على الأوتار المعدنية

وعلى أنّ صوت الكلاسيك ليس مناسبًا تمامًا لمعظم المقطوعات الّتي كنت أتدرّب عليها إلاّ أنّه ساعدني لأشهر عدّة، ولم أشتري غيره إلاّ الشهر الماضي كمكافأة لنفسي على اجتهادي في التدريب، ذهبت من جديد إلى معرض الدّولية، هذه المرّة بمعلومات واسعة حول أنواع القيتار وبرؤية محدّدة، وقفت طويلاً عند القيتارات أجرّب أوتارها وأحجامها وأقلّبها حتّى استقرّ الأمر بي على قيتار أكوستيك أسود من Squier واشتريته بـ ٦٠٠ ريال تقريبًا بعد التخفيض واشتريت stands للقيتارات.

البداية :

لقد بدأت بتعلّم العزف على القيتار قبل أن أشتري قيتارًا، فمن خلال كورسيرا في عام ٢٠١٢ أخذت كورسًا في القيتار من جامعة بيركلي، ومن ذلك الكورس اكتسبت بعض المفاهيم والأساسيات، ثمّ انتقلت إلى تعلّم النظريّة الموسيقيّة من خلال موقع Music Theory.

وبعد أن اشتريت قيتارًا كان تعلّمي في البداية لا منهجيًا ينقصه الكثير، حيث بدأتُ بتعلّم مقطوعات بسيطة للمبتدئين من موقع مجّاني له فضل كبير عليّ وهو Guitarnick، وقد ساعدني هذا الموقع على تعلّم قراءة الـ Guitar Tablature وعلى عزف مقطوعات بسيطة وقصيرة جدًا ترضي غروري وتشعرني بالتقدّم – وهذا يكون ضروريًا أحيانًا وعائقًا أحيانًا أخرى – .

ثمّ انتقلت إلى موقع مجّاني آخر أكثر منهجية هو  Justinguitar، وقد كان هذا الانتقال مفصليًا فمن جاستن تعلّمت الكثير على المستويين النّظري والعملي، وهو يتّبع أسلوبًا جيدًا، ففي كلّ أسبوعين يضيف لك مفهومًا جديدًا أو تقنية جديدة ويعلّمك ٣ chords ويعلّمك كيفية التنقل بينها وينبهك على الأخطاء الّتي قد تقع فيها، ولديه بالإضافة إلى هذا شروحات لكثير من الأغاني المناسبة لكلّ مستوى.

لكنّ الملل بدأ يتسرّب إلي، كان التتقل بين الـ chords والحفاظ على إيقاع متسق صعبًا جدًا، وبسبب هذا تركت التدريب.

بعد عدّة أشهر خضتُ مع زوجي نقاشًا حول تشتّتي، فأنا لم ألمس القيتار منذ أشهر، لكنّني انتقلتُ لتعلّم الخياطة، مكتبي يزداد ازدحامًا بأشياء لا أعرف إن كنت سأستمر عليها، وأنا جرّبت الكثير من الاهتمامات لكنّي لم أتقنها كلّها، واستفزني النّقاش للعودة إلى القيتار ثانية، أثناء ذلك أيضًا أهداني أحد أصدقائي مجموعة ريشات تحمل رسومات لمفاهيم فرقة Pink Floyd، وقد أعطاني هذا دفعة إضافية فعدتُ بشكل قوي جدًا حتّى أنّ ترك التدريب لممارسة أنشطة أخرى أصبح صعبًا علي.

في الجزء الثّاني إن شاء الله سأتحدّث عن تفاصيل أوسع في تعلّم القيتار والخدمات / الأدوات المدفوعة الّتي قفزت بي وكذلك سأضع بعض النّصائح لمساعدة الرّاغبين في البدء بتعلّم الموسيقى.

رحلتي إلى كوريا (٤) الخريف، الموت في أجمل صوره

151094841113394

مثل كثير من النّاس، عندما كنتُ صغيرة كنتُ مفتونة بالرّبيع، بمفهوم الرّبيع ذاته، الازدهار والنموّ وعودة الحياة وألوان الورود، يرتبط الرّبيع بالورود، ولطالما أحببته وحلمتُ به، كانت الصّورة المثالية في ذهني لسفر سعيد هو السّفر الرّبيعي، الاستلقاء على عشب أخضر رطب، أخضر جدًا، تخيّلتُ الورود الحمراء والصّفراء والبنفسجية حولي، الأشجار في أوج رونقها، في أشدّ ألوانها اخضرارًا، لا يمكن للحياة أن تكون أكثر جمالاً، حتّى شعور النّاس يصبح مختلفًا في الرّبيع، يخضرّ هو الآخر، حتّى أنّ البعض يقول: قلبه أخضر .. في وصف الإنسان المحبّ الحسّاس.

أمّا الخريف فلم يكن جذّابًا، برياحه الثقيلة وصريرها المخيف، بأوراقه المصفرّة وأشجاره العارية وجوّه الكئيب، ما هو الخريف إلاّ بداية الرّحيل؟ الاقتراب البطيء من الموت، رعشة السّكرات، أغاني النّهاية.

ولا أذكر متّى بالضبّط كانت أوّل مرّة نظرتُ فيها إلى الخريف ورأيتُ شيئًا مختلفًا، الموت في أجمل صورة يمكن للكائنات اختيارها، حفلة تأبين جماعيّة تشترك فيها الأشجار وتتراقص، تتحرّك الألوان عبر الأوراق وتتحرّك الأوراق عبر الرّياح، ومنذ تلك اللحظة وأنا مسحورة تمامًا بالخريف، أفتّش عنه، عن مقاطع فيديو للخريف، عن أجمل الأماكن في العالم وقت الخريف، عن الخريف في مختلف القارات والدول والمناخات.. الخريف .. الخريف .. الخريف .. ما أدهشني بالخريف!

وعندما قرّرتُ زيارة كوريا قرّرت أن أفعل ذلك في الخريف، وكنتُ اشتركتُ في رحلتين خارج العاصمة سول لرؤية الأشجار الملوّنة تغطّي جبال كوريا، وعلى الرّغم من أنّ هاتين الرّحلتين كانتا عظيمتان جدًا إلاّ أنّني أؤكّد لكم بأنّكم لا تحتاجون إلى الخروج من سول كي تتمتّعوا بتجربة لا تُنسى مع الخريف، فحدائق سول الطبيعية كانت ملوّنة وجميلة وآسرة بما فيه الكفاية، حتّى الأشجار الممتدّة في الطّرقات تأسر العينين وتختطف القلب.

حديقة الأولمبياد:

في ثاني أيّام زيارتي لسول ذهبتُ إلى حديقة الأولمبياد شرق المدينة، لم أكن قد اعتدتُ نظام المترو بعد فأخطأتُ في مسار القطار، إذ أنّ الحديقة تقع في مفترق مسارين لنفس الخطّ، وانتهى بي الأمر في آخر محطّة في أقصى شرق سول، ونزلتُ فيها حيث كانت خالية من النّاس باستثناء عجوز واحدة تنظّف المكان.

عبر القطار المعاكس استطعتُ الوصول إلى الحديقة. لا زلتُ أتذكّر جيدًا اللحظة الّتي صعدتُ فيها على آخر درجة في مخرج المحطّة ورأيتُ الحديقة عن يميني، لا زلتُ أتذكّر كيف وقفتُ محاذية السّور أشاهد الأطفال يلعبون بالدرّاجات وسط حقل ممتدّ من الأشجار الملوّنة، أتذكّر هذا بوضوح لأنّني أحببتُ سول هناك في تلك اللحظة، فحتّى ذلك الوقت كنتُ لا أزال مصابة بوعثاء السّفر وكنتُ أسأل نفسي: ما الّذي جاء بي إلى هنا؟ لا شيء يستحقّ! إنّها مدينة عادية ما الّذي أفعله وحدي فيها؟ لكنّ حديقة الأولمبياد أذهبت بكلّ هذه المشاعر وتركت بي أثرًا لا أستطيع وصفه.

في البداية، كنتُ أمشي مسافة صغيرة ثمّ أتوقّف أو أجلس للتأمّل لوقت طويل، لا زلتُ أتذكّر الّذين رأيتهم حينها، العجوز الّذي كان واقفًا أمامي يراقبني من بعيد وأنا أصوّر الطريق، المرأة الأنيقة جدًا المزهوّة بكلابها الصغيرة، الطّفل الّذي كان يقود الدرّاجة من الشارع الجانبي متّجهًا إلى الحديقة، من النّادر جدًا أن أستغرق في اللحظة، من النّادر أن يحضر ذهني إلى هذا الحدّ الّذي تكون فيه ذاكرتي بهذه الجودة، إنّ عقلي يعيش في توهان مستمرّ.

ومشيتُ لمسافة طويلة، ورأيتُ المزارع المحليّة بأدواتها البسيطة تمتدّ حولي، ورأيتُ العوائل الجميلة، هل تحدّثتُ عن جمال العوائل في سول؟ إنّ الثّقافة الاجتماعية الكورية مترابطة جدًا، ولذلك تجد أنّ الخدمات العامّة تتّجه لخدمة هذا التّرابط، رأيتُ دراجات صمّمت للأمهات حيث يعلّقن أطفالهنّ عليها في كرسي آمن أمامهنّ، رأيتُ الكثير من الأسر الّتي يمارس جميع أفرادها ركوب الدراجات على اختلاف أعمارهم، رأيت عجوزين يساعدان والدهما الطّاعن في السنّ على أداء رياضة بسيطة في الحديقة، ورأيتُ امرأة عجوز مع ابنها الشاب يطعمان الأسماك في بركة صغيرة.

ثمّ قرّرتُ مغادرة المكان والاتّجاه لزيارة متحف، وكنتُ أعتقد أنّني أمشي باتّجاه المخرج وأنّني قد أنهيتُ زيارة المكان، لكنّني فوجئت بنفسي في ساحة واسعة جدًا تضجّ بالنّاس والأشجار .. الأشجار من جديد .. والنّاس من جديد، ولم أستطع الخروج، رغبتُ في البقاء حتّى تغيب الشّمس، ومشيتُ ثانية بعد أن اشتريتُ من إحدى المكائن عصيرًا منعشًا، وفهمت بأنّ هنالك مهرجان غنائيّ ما لفرق indie، لكنّه لا يستهدف السيّاح بتاتًا فلا توجد أيّ إرشادات بالانجليزية، والواقع أنّني لم أشاهد الكثير من السيّاح في هذه الحديقة، ولا في حدائق سول عمومًا، فزيارة كوريا بالنّسبة للكثيرين تعني التسوّق والاحتفال في البارات ولا يوجد الكثيرون ممّن يقدّرون جمال طبيعتها.

 


حديقتيّ هانغانغ ويويدو:

في ثاني نزهة لي مع تشوكي اتّفقنا للذهاب إلى حديقة يويدو (여의도)، ولكنّني أخطأتُ الطّريق وذهبتُ إلى حديقة هانغانغ (한강) القريبة منها والمطلّة على نهر الهان، يبدو الأمر رومانسيًا كلّما تذكرته، أن أقصد حديقة طبيعيّة فأتوه في أخرى، وقضينا أنا وتشوكي أكثر من نصف ساعة نحاول الوصول إلى بعضنا، وانتهى الأمر بها في مكاني ولم أقتنع بأنّ الخطأ خطأي وبأنّني ذهبتُ إلى حديقة أخرى حتّى أطلعتني تشوكي على الخريطة، ومشينا على الشّاطئ لبعض الوقت وأتذكّر بأنّنا تحدّثنا عن النّساء في السّعودية الّتي لا تعرف تشوكي أيّ شيء عنها، ثمّ انتقلنا مشيًا إلى حديقة يويدو السّاحرة ذات الأشجار الكثيفة، كنتُ أشعر بأنّني غرقتُ في لوحة من الأشجار، وحديقة يويدو لا تُقارن في جمالها ومساحتها الهائلة مع حديقة هانغانغ.

في تلك الحديقة أصبحنا أقرب إلى بعضنا وزالت العديد من الحواجز بيننا، سألتُ تشوكي لمّا رأيتُ دهشتها العميقة بالأشجار: ألا توجد لديكم في سنغافورة غابات كثيفة؟ وأجابتني: بلى، ولكنّها مخضرّة دائمًا وليست ملوّنة كأشجار سول في الخريف.


غابة سول:

إذا قمتُ بترتيب أماكني المفضّلة في سول، فإنّ غابة سول سوف تحصل على المركز الثّالث بعد الحديقة الأولمبية ومتحف الحرب، وأنا أعرف بأنّه لو صادف أنّني زرتُ غابة سول في ثاني يوم لي بدلاً من حديقة الأولمبياد لتبدّل رأيي ببساطة، ولكنّها دهشة البدايات.

وغابة سول هي أكثر حدائقها الطّبيعية الّتي زرتها في الخريف اخضرارًا، حتّى أنّني أحاول الآن استحضار أشجار خريفيّة أو متيبّسة فيها فلا أجد في ذاكرتي – رغم وجودها في الصّور -، وعلى ذكر الصّور فغابة سول هي أكثر مكان التقطتُ له صورًِا في رحلتي.

والمميّز في هذه الحديقة هي امتلاؤها بالأطفال من أعمار ومدارس مختلفة، وهي بالإضافة لكونها حديقة طبيعيّة شاسعة المساحة تحتوي على حديقة مغلقة للفراشات وحديقة مفتوحة للنّحل وملاجئ لطيفة ودافئة للحيوانات الضّالة وعلى ملعب كبير جدًا للأطفال ومساحات للتزلّج ومقاهي.

الحمّامات العامّة في هذه الحداىق مميزة أيضًا، فجدرانها مغطّاة بالشجر المتسلّق في مشهد جميل يستوقفك للتفكير في ما إذا كانت هذه حمّامات عامّة حقًا أم مزحة جيّدة، وهي نظيفة من الدّاخل وحديثة.

 

 


حديقة أو غابة دريم :

تحدّثتُ عن هذه الحديقة في تدوينة سابقة، وكنتُ قد قرأتُ في TripAdvisor بأنّ هذه الحديقة غير مقدّرة من النّاس كفاية (underrated) ، والحقّ أقول كلّ حدائق كوريا وجبالها العظيمة كذلك ! خصوصًا من قِبل السيّاح، فكّر الآن، كم مرّة سمعتَ بكوريا كوجهة للسياحة الطّبيعية والرياضيّة؟ رغم جمالها وسحرها داخل المدن وخارجها، فـ ٨٠٪ من الأراضي الكوريّة عبارة عن جبال، ومعظم هذه الجابال مغطّى بالأشجار، لكنّ النّاس عادة ما تقصد كوريا للتبضّع ولزيارة الشوارع الحديثة، فكوريا هي وجهة عشّاق الاستهلاك والتسوّق.

ذهبتُ إليها مع جيمي صباحًا، الشيء الوحيد المزعج في الوصول إليها كان اضطّرارنا إلى أخذ باص بعد النّزول إلى المحطّة كي نصل إليها، المواصلات في كوريا كانت يسيرة بالنّسبة لي إلى الحدّ الّذي يصبح معه أخذ باص للتوجّه من محطّة المترو إلى المكان الّذي أقصده أمرًا غير مألوف، وعندما نزلنا من الباص وتوجّهنا إلى مدخل الحديقة لم أستغرب قلّة من رأيتهم فيها، فكما قلت كنتُ قد قرأت عن ذلك في TripAdvisor، بعد أن دخلنا الحديقة توجّهت إلينا امرأة عجوز وصافحتنا وأهدتنا منشورات مسيحيّة، ولا أستطيع عدّ المرّات الّتي حدث معي هذا في سول حتّى أنّه أصبح أمرًا متوقعًا، فالتبشير من قِبل الكوريين شائع جدًا، والأغاني الكنيسيّة تؤدّى في كثير من الشوارع، ولربّما تحدّثتُ عن هذا في تدوينة أخرى.

كانت غابة Dream هي آخر حديقة أزورها في رحلتي وكان الخريف في أوجه حينها، وهي من أكثر الحدائق الّتي رأيتُ فيها أشخاصًا يصطحبون كلابهم الأليفة، حتّى أنّ الحديقة تحتوي على مركز كبير لرعاية الكلاب، صادفتُ في هذه الحديقة أيضًا العديد من القطط الجميلة والأشخاص الّذين يطعمونها ويهتمّون بها، ولا أتذكّر بأنّني شاهدتُ قططًا ضالّة في شوارع سول لكنّهم يتواجدون في حدائقها ومعابدها وهم أكثر توجّسًا من الغرباء من قطط الشّوارع لدينا.

 


هناك المزيد للتحدّث عنه حول الخريف في كوريا، في هذه التدوينة لم أتحدّث إلاّ عن حدائق سول وحدها، لم أتحدّث عن جبال سول ولا عن المناطق البعيدة عنها والّتي قمتُ بزيارتها خصيصًا لرؤية الخريف، ربّما أتحدّث عنها في مكان آخر، أكتفي بهذا القدر من الكتابة لهذه التدوينة، إلى اللقاء في تدوينة أخرى عن سول.

رحلتي إلى كوريا (٣) صداقات فريدة

تشوكي :

ما إن عدتُ من كوريا حتّى وجدتُ نفسي أحادث تشوكي على KakaoTalk : أريد الذهاب إلى سول ثانية في إبريل .. في موسم ازذهار أزهار الكرز، هل سأراك هناك؟

وأجابتني بأنّها حصلت على عمل جزئي في سول ولكنّها لن تتمكّن من الذهاب إلاّ في مايو، فقلتُ لها مباشرة: لو كان الأمر هكذا فسأحاول تأجيل خطتي حتّى مايو، إنّ رؤيتك أحبّ إليّ من رؤية أزهار الكرز.

وتشوكي صديقة سانغفورية، تعرّفت عليها عبر الانترنت قبل السّفر إلى كوريا، يجمع بيننا حبّ ستديو 1Million للرقص، وحبّ كوريا واليابان بالتّأكيد.

تقابلنا لأوّل مرّة في قرية بوكتشون التاريخية، حيث تنتصب مبان جميلة جدًا وساحرة بعمر الستمئة عام، كانت ترتدي تنورة بيضاء قصيرة وقميصًا ورديًا، لم تكن لدينا خطّة محدّدة، بقينا نمشي لوقت طويل قبل أن نقرّر الذّهاب إلى شارع ميونغدونغ حيث أقيم، وهناك زرنا محلاّت المكياج ومنتجات العناية بالبشرة ثمّ ذهبنا لزيارة مقهى الكلاب سويّة.

ومن ذلك اليوم حتّى يوم غادرت تشوكي، كانت تسألني كلّ صباح: ما هي الخطّة؟ وكانت تذهب معي حيث أردت، في الحقيقة، إنّني أنتبه لهذا للتوّ، لم تقترح تشوكي مكانًا معينًا إلاّ مرتين فقط، كانت تطاوعني دائمًا ولحسن الحظ لم أخيّب ظنّها أبدًا.

أجمل ذكرياتي مع تشوكي كانت حين صعدنا إلى قمّة جبل أتشاسان سوية، وهو أوّل جبل تشرق فيه الشّمس في سول، كانت المرّة الأولى لها الّتي تصعد فيها جبل، ولكن لأنّها رياضية وراقصة فقد كان النّشاط أسهل بالنّسبة لها منّي، وقبل أن نبلغ قمّة الجبل أخبرتها بأن تصعد قبلي كي ألتقط لها صورة من بعيد، أتذكّر بأنّها قالت لي: لا أريد الصعود بدونك .. فأخبرتها بأنّني سألحقها ركضًا على الفور وقد فعلت، وجلسنا في سفح القمّة برفقة زوجين عجوزين وأربعة صديقات عجائز ولم أرى تشوكي تلتقط صورًا شخصية مثلما فعلت تلك اللحظة، كانت سعيدة جدًا بإنجازها.

في كلّ يوم كانت تشوكي تصبح أكثر جمالاً، وكنت أحبّ جدًا التقاط صور لها من حيث لا تعلم، وعندما كنت أطلعها على تلك الصور كانت تفرح بها جدًا.


جيمي :

رغبتُ بالتعرّف على أشخاص جدد من خلال تجربة العيش المشترك والخروج معهم، لكنّ هذا حدث بشكل أقلّ ممّا توقعته، كانت الفتيات لا يبقين أكثر من ثلاثة أيّام أو أربعة في الغرفة لينتقلن إلى مدينة جديدة أو دولة جديدة أو يعدن إلى أوطانهنّ، كما أنّ معظمهنّ كنّ يزرن سول بهدف الخروج إلى أسواقها، وعلى الرّغم من أنّ لزيارة الأسواق لذّة خاصّة حتّى أنّني زرت سوق شارع ميوندونغ وحده أكثر من ٣ مرّات، إلاّ أنّني رغبت بزيارة أماكن أخرى بشكل أكبر وكانت الأسواق تسبّب لي سعادة مؤقتة وشعورًا بالضيق بعد زيارتها.

فتاة واحدة فقط من السّكن حظيتُ بمتعة الخروج معها، جيمي الفلبينية، وهي فتاة لطيفة جدًا تعمل في مجال قريب من مجالي، حين استيقظتُ في آخر يوم لي في سول كانت هي قد استيقظت لتعيش أوّل أيامها فيها، فخلال ٤ أيام سابقة كانت جيمي تقيم في مدينة بوسان جنوب كوريا.

سألتني عن جدولي لذلك اليوم فأخبرتها بأنّني أنوي زيارة حديقة طبيعيّة ومن ثمّ الذهاب إلى سوق غانغنام المشهور، أخبرتني بأنّها تنوي الذهاب إلى غانغنام أيضًا وعرضت علي أن ترافقني، قلت لها بأنّني عادة ما أطيل البقاء في الحدائق ولا أعرف إن كان هذا مناسبًا لها، كانت عادة النسيان لديها تذكرني بنفسي، اضطرت للعودة ثلاث مرات للسكن كي تجلب أغراضًا كانت قد نسيتها، وفي كل مرة كانت تكرر فيها قول: أنا آسفة كنت أقول لها: لا عليك، إنني أفهم شعورك.

تناولنا الإفطار في مقهى محلّي ثمّ انطلقنا إلى حديقة Dream Park، قضينا سويّة وقتًا ممتعًا جدًا وكانت جيمي مسحورة كلّية بالحديقة وبقلّة زوّارها، طلبت منّي أخذ العديد من الصّور لها إلى الحدّ الّذي نفذ صبري بعده، دعوتها إلى الغداء وتناولنا طبقًا إيطاليًا وآخر ياباني، أخبرتني حينها بأنّها تسافر كثيرًا بسبب عملها ولكنّها تكره السّفر إلى أوروبا لأنّها لا تحب الطعام الأوروبي، وقد كان ذلك مثيرًا لرضاي، إذ أنّني أعرف الكثير ممّن لا يحب زيارة الدول الشرقآسيوية بسبب نوعية الطّعام لكنّ هذه هي المرّة الأولى الّتي أقابل فيها شخصًا يشعر بهذا تجاه الدول الأوروبية.

تحدّثنا كذلك عن الـ stereotyping  الّذي نواجهه من الآخرين، قالت لي بأنّها قابلت العديد من العرب الّذين يظنون مباشرة بأنّها عاملة منزلية لمجرّد أنّها فلبينية ولا يصدّقونها حين تخبرهم بأنّها تعمل لصالح شركات برمجية عديدة، فأخبرتها بالفتى الايرلندي الّذي لمّا عرف بأنّني من السعودية قال لي مباشرة: واو كيف استطعتِ الهروب؟

كنّا سعيدتين وارتفعت أصوات ضحكاتنا حتّى أنّنا لم نغادر قبل غروب الشمس رغم كلّ الخطط الأخرى الّتي كانت لدينا.

ثمّ ذهبنا إلى شارع هوندي – وسأتحدّث في تدوينة منفصلة عن هذا الشارع الساحر في سول – وزرنا مقهى Thanks Nature المشهور بخرافه الجميلة جدًا والّتي يمكنك شرب القهوة أو الشاي أو العصائر اللذيذة بصحبتها.

وفي شارع هوندي مشينا طويلاً إلى مكان افتراقنا، حيث كانت جيمي على موعد مع صديقة كورية، وحيث ودّعت جيمي هناك لم أرها مرّة أخرى، وكلّما صادفت صورها الآن في انستغرام تنتابني تلك السعادة الّتي شعرتُ بها حين خرجتُ معها .. ليوم واحد فقط.


يونغ هوا :

عندما خرجت من متحف الحرب الكوري بعد زيارتي الأولى له، كان الجو باردًا جدًا فدخلتُ أول مقهى صادفته في طريقي، وهذا يحدث كثيرًا في سول، في كلّ ركن سوف تجد ملاذًا على هيئة مقهى يستقبلك بعد مشي طويل أو يحميك من البرد.

لم يكن هناك أي زبون غيري وكان البائع شابًا صغيرًا وخجولاً، طلبت أغرب شيء وجدته في القائمة وجلست في طاولة مطلة على الشارع، ثم انتبهت بأن المقهى هو – بالإضافة لكونه مقهى – مكتبة ومركز روحاني للتأمل وممارسة اليوغا، لطرافة الأمر، كان طلبي عبارة عن آيسكريم، لذيذ جدا نعم، لكنه آيسكريم، وقد دخلتُ المقهى باحثة عن الدفء.

تصفحتُ المكتبة وجلبتُ منشورًا بالانجليزية عن التأمّل وعدتُ لطاولتي، في تلك اللحظة دخل إلى المقهى عجوز في الخمسينات أو الستينات من عمره، ابتسم لي لحظة رآني وعرفتُ مباشرة بأنّه سوف يكون سعيدًا بمحادثتي، إنّ عجائز كوريا هم المفضّلين عندي، أكثر انفتاحًا من الشباب للحديث مع غريب عابر، ففي كوريا حين حاولت الحديث مع شباب لا يحسنون الانجليزية كانوا يشعرون بالحرج ويقومون بصرفي مباشرة، أمّا العجائز فيحاولون التجاوب معي بأية طريقة، سوف يحدّثونني بالكورية أو يطلعونني على صور تعبّر عمّا يرغبون بقوله، أو يحاولون استدعاء كلمات انجليزية بسيطة ومفرّقة علّي أفهم.

سألني بالكورية: من أين أنتِ؟ فأجبته: من السعودية، حاول مواصلة الكلام معي بالكورية، ولحسن الحظ كان كنت قد قمتُ بتحميل تطبيق iTranslate والّذي يمكنك من ترجمة حديثك الشفهي مباشرة إلى اللغة الّتي ترغب بها، وهكذا استكملنا حديثنا من خلال التطبيق:

– هل أعجبك المقهى؟

– نعم، إنه دافى

– أنا أعمل هنا

– أوه هذا جيد، هل هذا الفتى هو ابنك؟

– لا لا إنه طالب يعمل بدوام جزئي

– أظن بأنه لطيف

ثمّ وقف أمامي وبدأ بأداء رقصة بسيطة تمتزج فيها اليوغا مع حركات الدفاع عن النفس، وأظنّ بأنّه كان يحاول أن يقول لي بأنّ المقهى يروّج لمدرسة التأمّل هذه.

– هل يمكنني التقاط صورة لك؟

– أوه نعم بالتأكيد!

كان معجبًا جدًا بالتطبيق وطلب من الموظف الجزئي أن يساعده في تثبيته، تبادلنا حساباتنا في KakaoTalk وحاولتُ قراءة اسمه: يونغ هوا.

بعد أيّام، عدتُ إلى المقهى ثانية لشرب الزنجبيل، لكنّ يونغهوا لم يكن موجودًا، ولا حتّى الفتى اللطيف الّذي رأيته في المرّة الأولى، وهذا شيء تكرّر معي في كوريا، ربّما لأنّ الكثيرين يمارسون أعمالاً جزئية لوقت قصير خلال الأسبوع، كنتُ أفتش في الوجوه وحاولت إحدى الموظفات مساعدتي: إنّني أبحث عن صديق .. لا عليكِ، ربّما سأعود ثانية.

وفي يوم مغادرتي لسول، ذهبتُ لزيارة المتحف مرّة أخرى، ثمّ عرجتُ على المقهى على أمل رؤية يونغهوا للمرة الأخيرة، ومن حسن حظّي أنّه كان هناك، على نفس الطاولة مع صديق آخر، واستبشر جدًا برؤيتي وخرج معي خارج المقهى، أخبرته بأنّه يومي الأخير في سول وقد مررتُ للوداع، طلب منّي التقاط صورة أخيرة وفعلنا ذلك، وعندما غادرت أرسل لي رسالة قصيرة أثّرت بي كثيرًا : الوداع، أراكِ قريبًا.


قد تبدو هذه العلاقات عابرة لكنّها ليست كذلك بالنّسبة لي، فهي علاقات مستوطنة، ربّما ليست طويلة في ظاهرها لكنّها عميقة حين أنظر إليها من الدّاخل.

في التدوينة القادمة سأتحدّث عن السّبب الرّئيسي الّذي زرتُ كوريا من أجله: الخريف ..

رحلتي إلى كوريا (٢) السكن المشترك

منذ قررتُ البدء بالسّفر وأنا مهووسة بخدمة Airbnb حيث يقوم النّاس بتأجير غرف في منازلهم أو بتأجير منازل لا يقيمون فيها بشكل مستمر، كانت فكرة السكن في فندق رسميّ ملغية تمامًا من ذهني ولم أفكر فيها ولا حتّى للحظة، فأسعار الفنادق جنونية بالنّسبة لي والبقاء في فندق متوسط سوف يكلفني ٣٠٠٠ ريال في فترة بقائي تقريبًا، ثمّ إنّني متكيّفة ولستُ متطلّبة وأفضّل القيام بشؤوني الخاصّة، بالإضافة إلى ذلك لم أكن أنوي البقاء في السّكن لوقت طويل، بل أردتُ قضاء الوقت الأكبر في الخارج.

وقررتُ استئجار غرفة تابعة لامرأة عجوز لطيفة في غانغنام، سعر الغرفة في اليوم الواحد ١١٢ ريال تقريبًا، وكان هذا مناسبًا لي.

ثمّ حدث وأن كنتُ أقرأ نصائح حول سفر النّساء المفرد إلى سول، وكانت ضمن هذه النصائح : اسكني في منزل للضيافة حيث تقيمين في غرفة مشتركة مع عدّة فتيات من حول العالم، هذا سيكون مطمئنًا وداعمًا، أعجبتني الفكرة وبدأتُ في البحث عن منازل الضيافة أو Guesthouses في سول ووجدتُ أنّها حاضرة وبكثرة ولها نمط خاص وثقافة محلية، وقررتُ استئجار غرفة في إحدى منازل الضّيافة هذه.

بحثتُ عن هذه المنازل في booking ووجدت خيارات جيدة جدا بأسعار لا تُصدّق! ثمّ حدث في ذلك الوقت أن بدأتُ استخدام خدمة TripAdvisor وتعرّفتُ من هناك على موقع Agoda ومنه قمتُ باستئجار الغرفة الّتي سأقيم فيها.

قمتُ بطلب غرفة مشتركة مع ٣ فتيات أخريات، وأنا أعرف جيدًا بأنّه ليس باستطاعة الجميع فعل ذلك، أقصد العيش المشترك مع أشخاص غرباء، لكنّ الأمر كان سهلاً إلى حدّ ما بالنّسبة لي، وإذا كنتم مهتمّين بالسفر المفرد أو مع أصدقاءكم ولا تشعرون بالحرج من البقاء في هذه المساكن، فأنصحكم بالخوض في هذه التّجربة، تحتوي هذه المساكن أيضًا على غرف فردية أو مزدوجة ويمكن أن تكون خيارًا اقتصاديًا حتّى لو تجنّبتم اختيار غرف الـ dormitory.


كيف تختار سكنًا مناسبًا؟

ترتبط الـhostels والـ guesthouses في أذهان كثير من النّاس بالإهمال وعدم النّظافة ولكنّ هذا غير صحيح دائمًا، من المهمّ أن تبحثوا بشكل جيّد ودقيق عن المسكن المناسب وهذه بعض النّصائح الّتي اعتمدتُ عليها :

١. لا تقوموا بوضع أي فندق حاصل على تقييم أقل من ٧ / ١٠ بعين الاعتبار.

٢. إذا أعجبكم فندق ونال استحسانكم وقمتم بقراءة المراجعات فوجدتم أنّها جيّدة فابحثوا عن الفندق في مواقع أخرى واقرؤوا المزيد من التعليقات حوله واقرؤوا كذلك عن انطباعات النّاس في مدوّناتهم الالكترونية.

٣. من المهم أن تعرفوا حول الفندق كل ما يهمكم، لو اخترتم سكنًا مشتركًا فكم عدد الحمّامات فيه؟ هل يوجد قسم لغسيل الملابس؟ هل يتوفّر طعام الإفطار؟ هل تتوفر مساحة كافية للتخزين؟ ما هو تصميم الحمام من الداخل؟ هل يحسن صاحب المسكن التحدّث بالانجليزية؟

٤. حيث أنّ معظم المجتمعات بما فيها المجتمع الكوري لا تعترف بالشفاطات، فيمكنكم البحث عن مسكن يوفّر كرسي حمام بمرشّات مياه الكترونية.

٥. قوموا بزيارة صفحة الفندق في TripAdvisor لمعاينة صور قام بالتقاطها الزوّار لا إدارة الفندق.


مزايا السكن المشترك:

١. ربّما تكون تكاليف الفنادق أحد أهم أسباب ارتفاع تكاليف السّفر وامتناع العديد من النّاس عنه، تشكّل أسعار التّذاكر سببًا آخرًا ولكنّ خدمات الطيران محصورة بشركات معدودة لها ثقلها الاقتصادي فلا مجال لتخفيضها، أمّا المساكن فهي صناعة في متناول عامّة النّاس ولذلك تتعدّد خيارات الأسعار بشكل أكبر بكثير، ينصدم أصدقائي بشدّة حين أخبرهم بأنّ السكن في كوريا لمدّة ١٦ يوم لم يكلفني أكثر من ٩٠٠ ريال.

لكنّ ذلك ممكن جدًا وبخدمات جيّدة وبأسعار أقلّ حسب تفضيلاتكم وميزانيتكم، توجد المساكن المعروفة بالـ كبسولات أيضًا حيث تقوم باستئجار سرير في غرفة تحتوي على ٢٠ سرير آخر تقريبًا، المسكن أدناه لا يكلّف أكثر من ٢٠٠ ريال في الأسبوع مع الضّرائب وهو حاصل على تقييم ٨.٤ من ١٠.

الصورة من الانترنت
الصورة من الانترنت

٢. تساعد المنازل المشتركة على بقائكم متصلين بالناس حتى حين تسافرون بمفردكم، هناك دائمًا أشخاص بالجوار للتحدّث معهم وللسؤال وللمساعدة وأحيانًا للصحبة. حين احتجت دواءًا للصداع عرضت علي زميلة ماليزية أقراصها – ولكنّي اعتذرت عن استخدامها -، حين فقدتُ جهاز الوايفاي الّذي استأجرته سمحت لي زميلة السكن الفلبينية باستخدام الوايفاي الخاصّ بها، وحين كنت أتأخر عن العودة كانت تصلني رسائل زميلة يابانية تتفقدني وتطلب منّي الحذر.


عيوب السكن المشترك:

انعدام الخصوصية، وهذا شيء واضح ومتوقع بالتأكيد ومن الخطأ أن ألوم السّكن أو ألوم الفكرة ذاتها عليه، ولكنّه يبقى عيبًا جوهريًا خصوصًا حين تستمرّ فترة سكنك لمدّة طويلة مثلما حدث معي.

كانت الحمّامات والغرف يتمّ تنظيفها باستمرار ثلاث مرّات في اليوم، لكنّ غرف الاستحمام تتسخ في ساعة الذروة – الساعة ٧ أو ٨ صباحًا – حيث تستيقظ معظم الفتيات في هذا الوقت وتزدحم بهنّ، فكان علي دائمًا إذا أردت الحصول على حمام جيّد الاستيقاظ مبكرًا عند الساعة الخامسة فجرًا أو متأخرًا بعد الساعة العاشرة صباحًا.

ولأنّ نومي خفيف كنت أستيقظ بسهولة حين تصل إحدى زميلاتي إلى السّكن في ساعة متأخرة وتصبح العودة إلى النّوم صعبة جدًا، كما كانت العودة متأخرًا تسبب لي حرجًا وتوترًا كبيرًا خصوصًا وأنّي أصدر أصواتًا مزعجة حين أتحرّك أو أحرّك الأشياء حولي.

بالنّسبة لرائحة الغرفة، فأتذكّر بأنّي حين وصلت أوّل يوم كانت رائحة الغرفة مزعجة جدًا، فيما بعد عرفتُ بأنّها كانت رائحة خمر، من حسن حظي أن هذه كانت آخر ليلة للفتاتين المتواجدتين فيها.

أيضًا، سكنت معي خلال يومين أو ثلاثة فتاة صغيرة لا أعرف حتّى من أين أتت، وكانت تنبعث منها رائحة غريبة ومنفرة جدًا، في ما عدا ذلك، كانت رائحة الغرفة جيدة حتّى مع ضيقها النّسبي.

وبشكل عام لم أكن أهتمّ كثيرًا بالتفاصيل لأنّني أقضي جلّ يومي في الخارج ولا أعود إلاّ للنوم / الاستحمام.


نصائح عامّة:

١. تذكّر دائمًا .. دائمًا بأنّ معظم النّاس يرغبون في ما ترغب به أنت أيضًا، النظافة والأمان والبقاء في مكان مناسب لبعض الوقت، قد تختلف معهم في تعريف معنى النظافة نعم، قد يوجد بعض الجهلة نعم، الحثالة بالتأكيد، لكن فكّر بهم دائمًا كاستثناء وتوقع النية الحسنة ممّن معك.

٢. اعذر الآخرين حتّى لو أخطؤوا وتسامح معهم، ليس من أجلهم فقط ولكن من أجل تربية نفسك على الصّبر ومن أجل عدم إفساد رحلتك، إذا لم تكن ذا طبيعة متسامحة فإنّ السّكن المشترك ليس مناسبًا لك على الإطلاق.

٣. تقبّل الثقافات المختلفة قدر استطاعتك، إذا كنت من النّوع الّذي يُستفزّ حين يشاهد الآخرين وهم يخالفون مبادؤه الأخلاقية / الدينية حتّى دون أن يسبّبون الأذى، فمن جديد: السّكن المشترك ليس مناسبًا لك.

٤. كن متوازنًا، لا تسمح للآخرين باستغلالك أو اقتحام منطقتك الخاصّة أو الإساءة لك، ولا تملئ نفسك بالشكوك والرهبة والخوف.


هل سأكرّر هذه التّجربة؟ ربّما خلال سفريّات أقصر أو إذا لم يكن لديّ المال الكافي، لكنّي أخطّط لاستئجار غرفة منفردة أو ستديو خلال زيارتي القادمة لسول.

في التدوينة القادمة بإذن الله، سأتحدّث عن الصّداقات الجديدة الّتي اكتسبتها في سول.

رحلتي إلى كوريا (١) التخطيط


إنّني أكتب هذه التدوينة الآن، قبل موعد سفري بـ ٤٧ يومًا، أي ما يزيد عن شهر كامل، ولا أخطّط لنشرها مباشرة، بل سأحتفظ بها حتّى أنتهي من رحلتي ثمّ سأنشرها متبوعة بأجزاء أخرى.

ما يدفعني للكتابة هو التّجربة الّتي مررتُ بها في التّخطيط، وهي تجربة بالنّسبة لي ثريّة جدًا، ليست على مستوى الرّحلة فحسب، بل على مستوى شخصي أيضًا وعلى مستوى رحلاتي المستقبليّة، بالإضافة إلى ذلك أجد ما سأكتبه قد يكون نافعًا لغيري خصوصًا من المهتمّين بالسّفر المفرد solo travelling.

لم أتوقّع أن أزور كوريا بهذه السّرعة، أعني لقد تمنّيتُ الذهاب إلى كوريا واليابان وأندونيسا وايرلند ونيوزلاند وتشيلي، وتشيلي بالتأكيد، لكنّ هذه الرّحلات لم تتجاوز أحلامي الوردية أبدًا، لم يخطر ببالي أنّني سأفعلها، سأفعلها وحدي، هكذا كما تمنّيتُ دائمًا وبشكل غريب، بلا رفقة.

قبل شهر من الآن تقريبًا، كنتُ أتصفّح يوتيوب وقلتُ لنفسي  فجأة: لماذا لا أذهب إلى كوريا؟ لديّ المال الكافي، لديّ رصيد جيّد من الإجازات، ما الّذي أحتاجه أكثر من هذا؟ وعندما دخل علي زوجي عصر ذلك اليوم أخبرته بلا تردّد: أريد أن أقول لك شيئًا، أنا ذاهبة إلى كوريا لأسبوعين أو ثلاثة ..

في البداية، قرّرت أن تكون رحلتي في آخر يوم من سبتمبر وحتّى منتصف أكتوبر، اعتقدتُ بأنّ هذا الوقت بالتحديد هو الوقت المناسب لرحلة خريفية، وقمتُ على الفور بقراءة إجراءات التأشيرة في موقع السفارة الكورية في الرياض – لا تحتاج إلى تأشيرة سفر إذا كنت سعوديًا -، اتصلتُ بهم لأنّ لديّ بعض الأسئلة المتعلّقة ببعض المستندات، فأعفوني من بعضها وطلبوا منّي أخرى، وبدأت في رحلة طباعة وترجمة واستخراج هذه المستندات.

ذهبتُ في البداية إلى مكتب معتمد للترجمة – مكتب دار الهجرة في الخبر بالتحديد – وطلبتُ ترجمة بعض المستندات واستلمتها في نفس اليوم بتكلفة إجمالية تبلغ ١٢٠ ريال.

ثمّ ذهبتُ إلى البنك وطلبتُ استخراج كشف للحساب للثلاثة أشهر الماضية باللغة الانجليزية، وقمتُ أيضًا باستخراج ورقة تعريف بوظيفتي في الشّركة الّتي أعمل بها.

بعد ذلك استخرجت تأشيرة الذهاب والعودة – تشترط السفارة أن تكون تأشيرة متعددة ممّا يكلّف ٥٠٠ ريال – وقمتُ بحجز تذكرة الطيران بدون دفع قيمتها – تتراوح تكلفة تذاكر الطيران بين ٣٥٠٠ و٤٠٠٠ بدون الضرائب والتكاليف الإضافية -.

في ذلك الوقت كنت أيضًا أبحث بصورة أكبر حول الخريف في كوريا، واكتشفتُ بأنّ موسم الـ autumn foliage حين تتغيّر ألوان الأشجار – وهو الموسم الّذي أردتُ أكون في كوريا خلاله – لا يبدأ إلاّ في الأسبوع الأخير من أكتوبر، وكان عليّ أن أختار بين أن تكون رحلتي في الوقت الّذي خططت له، وبين أن تكون في هذا الموسم الأخّاذ، لم يدم تفكيري أكثر من دقائق حتى قمتُ بتأجيل الرحلة لثلاثة أسابيع كي تكون في الـ ١٩ من أكتوبر، وقمت أيضًا بتغيير موعد تذكرة السفر.

ثمّ ذهبتُ بكلّ هذه الأوراق – بالإضافة لمستند طلب التأشيرة – إلى مبنى السّفارة في الرّياض وقدّمتُ طلبًا لتأشيرة سياحيّة، طُلب منّي بعد أن تمّ التأكد من صلاحية أوراقي أن أعود لاستلام جواز السّفر بعد أسبوع، وقد كان هذا طلب واضح جدًا فهم لا يكلّفون أنفسهم عناء الردّ عليك بأيّ شكل ولا حتّى عبر رسالة جوال.

بعد أسبوع، كان باستطاعتي استلام جواز السفر وكانت التأشيرة قد أصدرت في اليوم التّالي لتقديمي الطّلب.