محمي: صاحب الظلّ المنكسر

هذا المحتوى محمي بكلمة مرور. لإظهار المحتوى يتعين عليك كتابة كلمة المرور في الأدنى:

Advertisements

(٤ ) أطفال من أجل الحرّية

children

كان صباحًا عاديًا وروتينيًا، كما أحبّه تمامًا، تناولنا طعام الإفطار بهدوء، تحرّكنا ببطئ مثلما نفعل دومًا وكأنّ العالم لا يلاحقنا، أو كأنّنا قرّرنا التمرّد على عصر السّرعة، ثمّ غادرنا متفرّقين إلى وظائفنا.

على غير عادتها الهوجاء،كانت حركة السّير هادئة، هادئة وبطيئة مثلنا، أخرجتُ رأسي من النّافذة، مذاق الهواء في أنفي غريب، ليس مستهجنًا ولا مرًّا ولا حلوًا، غريب فقط، وضعتُ حزام الأمان الّذي كنت قد نسيته، ورحتُ أتصفّح موقع Reddit على هاتفي المحمول.

فوجئتُ بالعديد من المقالات والصّور والفيديوهات الّتي تتحدّث عن ثورة عالميّة مهيبة، ثورة لم أتوقّعها أبدًا، الأطفال ينتفضون، في ما يشبه ثورة سلميّة، سلميّة جدًا، تويتر ويوتيوب وجميع الشّبكات الاجتماعيّة مشغولة بالحديث عن هذه الثّورة، الأطفال هم محورها، هم فلاسفتها ومنظّريها وصنّاعها، ما الّذي حدث بحقّ الله في هذا الأسبوع؟ سألتُ سائقي بفضول : هل تعرف أنت أيضًا عن ثورة الأطفال هذه؟، – آه يا مدام، لقد غرّر هؤلاء الشياطين بابن أختي، إنّه طفل لطيف وخجول لا يتجاوز الحادية عشرة، ولكنّه انضمّ إليهم، لا أعرف كيف، وهو غائب عن المنزل الآن ولا نعرف أين هو، لكنّنا شاهدناه في فيديو في يوتيوب، يقف إلى جانب أولئك الملاعين !

انتقلتُ بحماس إلى تيليغرام، مباشرة إلى مجموعة صديقاتي: – بنات ما هذا الجنون ! إنّني أقرأ في كلّ مكان عن ثورة الأطفال، حتّى أنّ ابن أخت سائقي انضمّ إلى تلك الثّورة !

– واو يا إحسان، إنّه أمر عظيم ومثير للتأمّل! لم أتخيّل أن يحدث هذا أثناء حياتي!

– صدّقوني إنّهم مجرّد صبية يحتاجون إلى تأديب، يثورون على من؟ على أمّهاتهم اللّواتي أرضعنهنّ وغيّرن لهم الحفائض أم على آبائهم الّذين اشتروا لهم تلك الحفائض البائسة؟

– إنّه أمر مضحك بالفعل! لا تزال تلك الحفائض مبتلّة في قمامة ما !

– لكنّي لم أفهم على ماذا يثورون بالضبّط؟ إنّ أقوالهم متخبّطة وهزلية ومتناقضة أيضًا، آه الأطفال أطفال في النّهاية.

– من الطّبيعي أن تكون أقوالهم متناقضة، لقد خرج الآلاف في هذه الثّورة، بديهيّ أن يحملوا أفكارًا مختلفة.

– آه إحسان أرجوك! هل أنت متحمّسة معهم؟ لا تقولي ذلك! هذا أمر هزليّ! نكتة!

– حسنًا إنّه أمر مثير للاهتمام وهو يذكّرني كثيرًا بثورة النّساء المعاصرة ..

عند تلك النّقطة، وصلتُ مقرّ عملي، لم أشئ أن أناقش أحدًا هناك في هذا الموضوع، على الأرجح أنّه ذو حساسيّة سياسيّة وأنّه سيجرّ خلافات مزعجة، لكنّ هاتفي لم يتوقّف عن إرسال التنبيهات، لقد وصلتني عشرات النّكات والصور الهزلية، ورسالة توعوية تكرّرت بشكل مزعج تتلخّص في دور اليهود القديم في تلك الثّورة، ورسائل تربويّة مملّة تتمحور حول حماية الأطفال من الأفكار الهدّامة.

وضللتُ طيلة النّهار أفكّر في تلك الثّورة، لم أقرأ تفاصيلها بدقّة بعد، ولكنّني بقيتُ أتخيّل تبعاتها المستقبليّة، لقد ثارت العديد من الشّرائح في الماضي وانتصرت جزئيًا، ثمّ الآن بعد كلّ تلك السّنوات، أصبحت حقوق تلك الفئات معترف بها بل وبديهيّة أحيانًا، ماذا عن الأطفال؟ ماذا لو انتصرت ثورتهم؟ هل ستتغيّر الأمور كما يحلمون بها إلى ذلك الحدّ؟

في طريق عودتي من العمل، تصفّحتُ باث علّي أجد مصادر سريعة تلخّص لي مطالب الثوّار الصّغار.

وجدتُ العديد من الأصدقاء يشارك فيديو في ٨ دقائق على يوتيوب يقرأ فيه طفل في بداية مراهقته بيانًا رسميًا ممّن أطلق عليهم ” أطفال من أجل الحرّية “، ركّز البيان على رفضهم الشّديد لمصطلح “قاصر”،  قال الطّفل المتحدّث بأنّ الأكبر سنًّا اخترعوا هذا المصطلح للهيمنة على من هم أضعف منهم والتحكّم بهم، إنّهم يدّعون حمايتهم ولكنّهم يفعلون العكس باستمرار، يقتلونهم في الحروب، يستعملونهم حتّى الموت في مزارع الكاكاو ومصانع الأجهزة الالكترونيّة، أو يزجّون بهم في مدارس معلّبة ويمنعونهم من العمل الكريم، وباختصار، هم لا يريدون للأطفال أن يكونوا أحرارًا، إنّهم يسمّون أنفسهم راشدين ولكنّهم يفسدون العالم ويدمّرون الحياة.

وجدتٌ أيضًا فيديو آخر، قصير جدًا، ربّما مدّته دقيقة أو نصف دقيقة، كان غالبية أصدقائي يهزأون به ويضحكون، تظهر في الفيديو طفلة في الخامسة من عمرها، تقول بأنّها انضمّت إلى الثّورة لأنّ الكبار يحجبون رؤية النّجوم بالتلوث الضوئي الّذي اخترعوه.

انتشرت كذلك تغريدات لأطفال من كلّ أنحاء العالم يعبّرون فيها عن أسباب تأييدهم للثورة أو رفضهم لها، هذه نماذج منها:

” معظم طلاب فصلي أذكى من معلم الجغرافيا الّذي يعتقد بأن خريطة العالم المشهورة هي خريطة واقعية، ومع ذلك ما زال علينا أن نذعن لمعلوماته المغلوطة “

” إلى متى سيستمرّ تقييم الإنسان بناءً على عمره بدلاً من النّظر إلى كفاءاته وشخصيته؟ “

” لا أفهم هذا الهراء الّذين يتحدّثون به، ثورة؟ ضدّ أمّي وأبي؟ هذا جنون وأنا لست أحمق لأنجرف إليه “

” لقد أثبت التّاريخ بأنّ العمر لا علاقة له بأخلاقيّة الإنسان أو عقلانيته، إنّ دونالد كاتربيلر في السّبعين من عمره مثلاً ! “

” لا حول ولا قوّة إلاّ بالله، حتّى الأطفال غرّروا بهم ضدّ أهاليهم، ثورة النّساء جلبت علينا مصائب! “

” إنّ أوّل إهانة لنا هو اتّهام الدّاعمين البالغين بتحريضنا، نحن لسنا مجموعة من الأغبياء قليلي الحيلة “

بقيتُ صامتة إزاء كلّ ما يحصل لأشهر عديدة، من بين الجميع كانت ردّة فعلي الحقيقيّة منذ البداية هي التفاجئ! بالتدريج، يومًا بعد يوم، أصبح الكبار أكثر تقبّلاً لفكرة هؤلاء الأطفال وازداد عدد المؤيدين من البالغين لهم وتراجع الكثير من الأطفال عن رفضهم السّابق.

تمكّن الأطفال من تغيير بعض القوانين في العديد من المدن وبدأ بعض الآباء بالاستجابة لأبنائهم، ظهرت كتب قليلة تتحدّث عن هذا الموضوع على المستوى النّفسي والاجتماعيّ والمادّي، بعض الإدارات مثلاً وافقت على السّماح للأطفال بالعمل لما سيحدثه ذلك من أثر جيّد على الوضع الاقتصاديّ وقد كتب عالما اقتصاد كتابًا حول هذا.

تمّ السّماح للمراهقين بتكوين عائلات وتغيّرت قوانين الأسرة تبعًا لذلك وعلى الرّغم من أنّني أكتب لكم عن هذا بعد ستّ سنوات من بداية الثّورة إلاّ أنّني لم أجد حتّى الآن رسالة رصينة حول التّأثير الاجتماعيّ لهذا الأمر.

ما زلتُ متردّدة حول رأيي في هذه التغييرات الهائلة حتّى الآن، ما زلتُ عاجزة عن اتّخاذ موقف حاسم، ولكنّني قررتُ الكتابة عنه بعد أن سمعتُ عجوزًا يابانيًا يقول اليوم : ” إنّ أيّ تغيير هو أمر إيجابي “، وتساءلتُ إن كان هذا صحيحًا في ما يخصّ ما حدث؟ ربّما مجرّد معرفة خطأ ما ارتكبه الأطفال هو أمر إيجابيّ حقًا، ربّما .. من يدري؟

 

مصادر الصّورتين:

١. http://valerioberdini.photoshelter.com/gallery-image/Children-of-The-Revolution-Nepal/G00004ujtkj6Wksk/I0000rBBcIZj_iuk

٢. http://valerioberdini.photoshelter.com/gallery-image/Children-of-The-Revolution-Nepal/G00004ujtkj6Wksk/I0000uho8I5KRv6g

(٣) تموتُ وأنت لا تدري

كنتُ أمشي سعيدةً في طريقي إلى محلّ أغراض منزليّة، مزهوّة بمساحة الاختيار الحرّ الّتي أؤتيتها منذ تزوّجت، منتشية بالهواء البارد في المدينة الّتي سكنتها مؤخرًا، وممتنّة للأعشاب المدهوسة والأشجار المترامية.

توقّفت عن الحركة فجأة وسط الشّارع وقلتُ لنفسي: “تموتُ وأنتَ لا تدري”.

هكذا ترادوني أفكار الموت، فجأةً مثلما يفعل الموت نفسه، لا تتسلّل إليّ من خلال مقبرة أو جنازة، لا تأتيني في صور قتلى الحروب ولا أسرّة المستشفيات البيضاء، بل تجريديّة ومفاجأة، تقتحم قفصي الصّدري فتضخّم كلّ شعور حيّ أحمله، الحبّ، اليأس، الأمل، السّعادة، الخوف، الفزع، الفراغ، واللاجدوى.

فكّرتُ ثانية: من السخريّة بمكان أنّ الإنسان لا يملك أيّ اختيار في أهمّ حدثين في حياته، مولده ومماته، لا يعرف الإنسان متى يخرج من عالم الغيب إلى الدّنيا، ومتى يعود من الدّنيا إلى عالم الغيب.

لكنّني عدتُ لأفكّر بأولئك الّذين اختاروا موتهم طواعية، الّذين زحفوا إليه مثلما نزحف إلى الحياة، الّذين جعلوا من موتهم اختيارًا حرًّا، ياه ! ما أعظم أن يجد الإنسان ما يموت لأجله، وهذا أمر مختلف جدًا عن اختيار الموت حين لا يجد الإنسان ما يعيش لأجله.

ثمّ شاهدتُ فيلم The Last Samurai – وهو فيلم رائع جدًا أوصي به -، وحين بدأتِ المعركة بين رجال الساموراي والجيش اليابانيّ، قلتُ لزوجي بأنّني لا أفهم كيف يقدم النّاس على موتهم هكذا، الأمر مخيفٌ جدًا، ثمّ سألته: هل ستدخل في معركة كهذه؟ فأجابني: ” نعم، إذا كانت من أجل ما أؤمن به”، شعرتُ بالحزن، ليس لديّ ما أؤمن به كفاية للقتال في معركة في سبيله.

هذه هي الحلقة النّاقصة، الحلقة الضّعيفة الّتي تجعلني أقلّ انسجامًا مع الكون، الحلقة الّتي تشدّني العدميّة من خلالها، لستُ على وفاق مع الموت، ليس لديّ ما أموت لأجله، قد تكون بعض الأشياء عزيزة لديّ بما يكفي لاقتلاع عينيّ من أجلها، لكن لا شيء، لا شيء مهما كان عزيزًا يستحقّ الموت.

لكنّنا سنموت على أيّة حال، لا يمكن تجاهل هذه الحقيقة، واختيار طريق للموت يبدو منطقيًا أكثر من ترك الأمر برمته للوقت. ومع ذلك نحن نحاول تأجيل الموت قدر استطاعتنا، إنّنا نؤجّل الموت إلى الحدّ الّذي نذهب معه إلى الاستعاذة منه حين نذكره، إلى تجنّب الكتابة عنه، إنّنا لا نذكره إلاّ على حذر وكأنّه سيدخل علينا حين يسمع اسمه، لكن إلى أين نهرب؟ إنّنا نموت كلّ يوم، تموت خلايانا، يتساقط شعرنا، تُوهن أجسادنا، تتحوّل أيّامنا إلى ذكريات، نفكّر فيها كحلم قديم ونحن نتساءل: هل كنّا حقًا ما كنّاه؟ أين ذهب الطّفل الّذي كنّاه يومًا؟ إلى أين يمضي الوقت بعد أن يقطعنا؟

(٢) أليوشا

هل يستطيع أحدٌ ألاّ يحبّ أليوشا؟  أن يتحرّر من سطوة طهارته ورقّته؟ هل يستطيع أيّ قارئ أن يتجاوزه؟ أن يخبرنا في مراجعته للـ “الأخوة كارمازوف” بأنّ أليوشا كان مملاًّ مثلاً أو طيّبًا أكثر من اللازم، أو مداهنًا، أو عاجزًا عن اتّخاد موقف حازم؟

هل يستطيع أحدٌ ألاّ يحبّ صغيرنا أليوشا؟

 

مذكّرت عالماشي (١) القطّة ووجبة الفول

مصدر الصّورة

كنتُ أجلس على إحدى الطّاولات في سوقٍ مركزيّ بانتظار وجبة الفول الّتي طلبتها، شاهدتُ قطّة شوارع تتحرّك في المكان باحثة عن طعام، ناديتها إلى طاولتي، أصبحت تدور حولي وتدخل في عبائتي ثمّ تخرج، ندمتُ لأنّي طلبتُ وجبة فول، القطط لا تأكل الخبز إلاّ نادرًا، والفول؟ ببحث سريع في قووقل وجدتُ بأنّه من الأفضل ألاّ تطعم القطط أيّ نوع من البقوليات.

لحقتني القطّة حتّى المطعم واستمرّت بالدّوران حولي، ما إن أخذتُ وجبتي حتّى حاولتِ القفز إليّ، يا إلهي هل أشتري لها وجبة من السّمك؟ الدّجاج؟ ثمّ إنّ الأكل ساخنٌ جدًا ولن تكون فكرة جيّدة أن تجرّبه، أخذتُ قطعة من الخبز، أعطيتها إيّاه فهربت شاردة منّي، ربّما لأنّها أحسّت بتهديد حرارته.

جلستُ على الطّاولة، شعرتُ بالحزن الشّديد وأنا أراقبها متكوّمة على نفسها ومستسلمة للجوع، جاءت طفلتين صغيرتين، أكبرهما في الثّامنة من العمر تقريبًا، تحملان قطعًا من الدّجاج والبطاطس المقليّ، ضحكتُ من براءتهما، ذهبتا إلى القطّة وطمأنتاها بأسلوب طفوليّ، ثمّ أطعمنها، أكلتِ القطّة الدّجاج بنهم، ثمّ خلدت إلى النّوم في زاوية ضيّقة، هكذا ببساطة، بعد نصف ساعة من الحركة المضطّربة، نامت بهدوء.

هل أبدو لك كفتاة مرفّهة؟ هل تسخر منّي لأنّي أراقب وأتعاطف بهذا الشّكل مع قطّة مشرّدة بينما هنالك المئات من الجوعى والقتلى في العالم؟ هل القراءة حول قطّة جائعة هو آخر ما أردت فعله اليوم؟

بالنّسبة لي، الرّحمة صفة تخصّ الرّاحم أكثر ممّا تخصّ المرحوم، إذا كانت الرّحمة أصيلة في الإنسان – ولا أدّعي هنا بأنّها أصيلة بي – فإنّها ستشمل الإنسان والحيوان والحشرات والزواحف وحتّى الجمادات.

لكن لماذا قد يطعم الأطفال قطّة ولا يهتمّون بإنسان مشرّد؟ لماذا يبدو الأمر أحيانًا وكأنّ مثل هؤلاء يهتمّون بالحيوان أكثر ممّا يهتمّون بالإنسان، سأسرد عليكم بعض الأسباب المختلفة الّتي فكّرتُ بها أثناء تواجدي في المكان :

١. نحن نتوجّس من الإنسان الغريب وهذا طبيعيّ، فالمشرّد قد يتحرّش بالطّفل، أو يؤذيه بطريقة ما، أمّا القطّة فأقصى ما تستطيع فعله هو خربشتنا أو نقل الأمراض المعديّة الّتي نستطيع تجنّبها، القطّة في أذهاننا كائن غير عاقل، عارٍ، غير مكترث بنا إلاّ بما يحقّق مصالحه الخاصّة، ليس له بروتوكلات أو عادات ممّا يجعل التعامل معه سهلٌ جدًا، نحن لا نخاف من جرح مشاعره حين نعطيه بقايا الطّعام ولا نخاف من قسوة نظراتنا الدونيّة عليه.

٢. القطّ مباشرٌ جدًا في طلب الطّعام، هو لا يطلب منك بعض النّقود مثلاً أو يحاول الاحتيال عليك، وحين يرفض طعامك لأنّه لا يناسبه فإنّه يرفضه بطريقة مباشرة أيضًا.

٣. عندما يطلب منّا إنسانٌ بالغٌ بعض الطّعام، فنحن قد نسأل أنفسنا: لماذا لا يحصل على طعامه بعرق جبينه؟ لماذا لا يعمل؟ لماذا يحاول الاعتداء على طعامنا الخاصّ؟ أمّا القطّ فقد يكون من الطّبيعي أن يتواجد في الشّارع، وأن ينتهي به الأمر جائعًا.

٤. القطّ أضعف من الطّفل وتجربة مساعدة من هو أضعف منّا لذيذةٌ جدًا.

لا يعني هذا طبعًا بأنّه لا وجود لأولئك الّذين يهتمّون بالقطط أكثر ممّا يهتمون ببني جلدتهم، لكنّ الرّحماء الشّموليين موجودين أيضًا.

سينما ذكوريّة؟ ماذا عن سينما تسيطر عليها النّساء؟

في مطلع الحلقة الأولى من المسلسل الشهير Breaking Bad، يظهر بريان كرانستون – والّذي كان يبلغ من العمر آنذاك ٥٢ عامًا – يائسًا، خائفًا، ونصف عار في وسط طريق خال، لم يكن المشهد جذّابًا للعينين وأشكّ بأنّ النّساء قمن بإعادة مشاهدته لكسب متعة بصريّة، فليس للرجل الصّفات الجسديّة الّتي تجعل منه جذّابًا في المعايير المعاصرة على الأقلّ، إنّه مجرّد رجل عاديّ جدًا، لكنّ المشهد كان مهيبًا مؤثّرًا، يشي بطابع المسلسل الّذي استمرّ لخمسة مواسم ناجحة دون تقديم “حلوى بصريّة” للمشاهد، وهذا أحد الأسباب الكثيرة الّذي تجعله المسلسل رقم ١ في مفضّلتي .

منذ رأيت ذلك المشهد، أفكّر كثيرًا، هل يمكن لامرأة خمسينيّة أحدث الزّمن في جسدها ما أحدثه في جسد بريان كرانستون أن تنجح في الفوز ببطولة مسلسل شهير كهذا؟ هل يمكن أن تقف في منتصف طريق خال بفخذين مترهّلين ووجه مجعّد؟ بمكياج لا يظهرها إلاّ أكثر سوءًا ممّا هي عليه في الحقيقة؟ هل يمكن لمسلسل تقوده امرأة عاديّة – عاديّة جدًا – أن يحقّق النّجاح الّذي حقّقه Breaking Bad ؟

ورحت أستعيد أسماء الممثّلين النّاجحين الّذي استمرّ نجاحهم حتّى بعد أن خسروا قوّة وعنفوان أجسادهم، إنّهم كثر، ليس أنّهم خسروا شبابهم ولكنّهم استبدلوه بجاذبيّة الكهولة والشعرات البيضاء، لكنّ الأمر مختلف جدًا بالنّسبة للنساء، إنّ الرّجال ربّما يزدادون جاذبية حين يتقدّمون بالسنّ، أو ربّما أنّ خسارتهم لهذه الجاذبيّة لا تؤثّر دائمًا على نجاحهم الإعلاميّ، لكنّ النساء ينطفئن بمرارة إذا فشلن في الحفاظ على هذه الجاذبية أو إصلاح ما أفسده الزّمن فيها، إنّ المتعة البصريّة الّتي تحققها الممثلة للمشاهد ضروريّة غالبًا، وبدونها تنخفض أسباب ظهورها في عمل ما، ومّما لاحظته، أنّ النّساء غير الجميلات، أو الممتلئات، يفزن بالأدوار الكوميديّة غالبًا حيث يصبح “غياب الجمال” جزءًا مهمًا من شخصيتها .

لا شكّ بأنّني أقول كلامًا مكرّرًا، أعرف هذا، العديد من النسويات وخصوصًا ناقدات السّينما قد سبقنني في جلّ ما قلته هنا، ومن أشهرهنّ على الإطلاق لورا مولفي صاحبة مقال المتعة البصرية والسّينما السرديّة ، وهو مقال جميل بالمناسبة لا تفوّتوا الإطلاع عليه .

لكنّي لا أريد أن أناقش هذا الأمر، ربّما في مقال آخر، ما أريد أن أناقشه هو علاقة الجلاّد والضحيّة بين المرأة والرّجل في هذا السّياق، في المقال آنف الذّكر تتحدّث الكاتبة عن ما تعبّر عنه بسلطة الرّجل الممتدّة حتّى السّينما، عن العلاقة بين الرّجل من حيث هو صانع السّينما والمتلقّي لها، وبين المرأة من حيث هي الأداة المستخدمة في المتعة البصريّةيقول الأستاذ محمّد العبّاس في مقاله الّذي استعرض فيه نظريّة مولفي: “إن تاريخ العدسة السينمائية ذكوري بامتياز، وذلك من خلال التوظيف البارع والمبسط والمباشر للمتعة البصرية، فهي منذورة لتشييء المرأة “، وسؤالي هو إذا كانت هذه هي السّينما الذكوريّة فكيف ستظهر المرأة في سينما تسيطر عليها النّساء؟

هل الرّجال وحدهم هم المسؤولين عن التركيز البصريّ والجنسيّ على المرأة في التلفاز والسّينما؟ وبشكل عام هل الرّجال وحدهم هم المسؤولين عن تكريس محوريّة الجسد في حضور الأنثى في الحياة العامّة حتّى نسمّي هذا السلوك بالـ”ذكوري”؟ أجرؤ على القول بأنّ هذا غير صحيح، بل وزيادة على ذلك، إنّني أحمّل النّساء مسؤولية أكبر في تكريس هذه المحوريّة .

إنّ النّساء مهووسات بالمظهر الأنثويّ، فقبل أن يرفض المخرج – الذكوريّ – امرأة خمسينيّة للقيام بدور البطولة، سوف ترفض هي نفسها أولاً، وربّما قبل ذلك بكثير، سوف يبدأ القلق من “خطوط الوجه التعبيريّة” في الثلاثينات، ثمّ تحصل على عناية تجميلية بتجاعيد الوجه بدءًا من الأربعينات، وفي كلّ مرّة تنظر فيها إلى شقوق بطنها الّتي أحدثتها الولادة، سوف تُهاجمها نوبة إحباط، إنّني لا أنتقد هذا الآن بالمناسبة، لا أظنّ بأنّني سأكون أقلّ قلقًا من تجاعيد وجهي حين أكبر، لكنّ السّؤال الّذي أحاول طرحه هنا: هل تقبل جلّ النّساء ترك جاذبيتهنّ في الخلف والمضيّ إلى مواجهة العالم عبر الكاميرا في دور بطوليّ؟ هل يقبلن القيام بدور بريان كرانستون؟ لماذا يتمّ التّشنيع على الرّجل وحده إذًا؟

ثمّ إنّ المرأة نفسها تحاكم بنات جنسها بناءً على مقوماتهنّ الجسديّة وعلى أعمارهنّ، وهي أقسى أحيانًا في هذه الأحكام من الرّجال الّذين لا يهتمّون بالتّفاصيل الّتي تهتمّ بها النّساء، دقّة المكياج مثلاً وتبعيته للموضة الحاليّة، لم أسمع رجلاً من قبل يعلّق باستهزاء على امرأة بأنّ “فستانها لا يناسب هذا الموسم”، اللهمّ إلاّ إذا كان متخصّصًا في التجميل، لكنّ النّساء يفعلن ذلك، العديد من الفتيات تخشى نظرات “أهل زوجها” أكثر من نظرات الزّوج نفسه، تنتشر عمليات التجميل في مجتمعات غير مختلطة والزّواج ليس هو السّبب الأوّل لانتشارها، وكثيرًا – نعم كثيرًا – ما رأيت فتيات يشنعنّ على رجل أنّه اختار شريكة أقلّ جمالاً منه .

بالإضافة إلى ذلك، الرّغبة بالظهور بمظهر جميل غريزة في النّساء مثل أنّ الرّغبة في الاستمتاع بهذا الجمال هو غريزة في الرّجال، العديد من النّساء الشهيرات وعارضات الأزياء مأخوذات جدًا بدور “المخلوق الجنسيّ الجذّاب”، لا أحد أجبرهنّ على ذلك، إنهنّ سعيدات في ما يفعلنه، سعيدات في تكريس هذه الصّورة عن أنفسهنّ، سعيدات بالتعرّي وبإثارة الآخر، وهنّ كثر، وأجزم أنّ غيرهنّ – ممّن ينتقدهنّ حتّى – لو أوتين الجمال والفرصة لفعلن الشّيء ذاته، هل يمكن أن نعاملهنّ كضحايا لذكوريّة الرّجل؟

إنّ الرّجل حتّى حين يكون ذكوريًا بالمعنى المذكور في المقال فإنّما يخدم أهدافه، إنّه سعيد بكلّ هذا الكمّ من الأجساد المتعرّية في التلفاز، ولا يضرّه بشكل مباشر أن تصبح المرأة حلوى للعينين، فهو ما زال القوّة الحقيقية والفاعلة والمنفّذة في الإنتاج المرئيّ وفي مجالات أخرى عديدة، ما زال قادرًا على تحقيق وجوده دون الحاجة إلى جمال خارجيّ، لكن المرأة حين تلحّ على أهميّة جسدها وتجعله مسيطرًا على بقيّة جوانب كينونتها فهي تضرّ نفسها وتضرّ بنات جنسها وتنسحب إلى الخلف كمخلوق أقلّ من الرّجل .

لا أقول بأنّ على المرأة تهميش جمالها لتتساوى بالرّجل، هذا غير وارد أصلاً، فخلافًا لكثير من المخلوقات – الطّيور مثلاً – تلعب المرأة دور الطّرف الجذّاب والجميل والمغري، لا يمكن أن يتغيّر هذا إلاّ بتغيير هائل في طبيعة الإنسان ولا يعنيني هذا التغيّر بالمناسبة ولا أراه مقنعًا، ما أقوله هو أنّنا لو أردنا للمرأة أن تتجاوز إطار المتعة البصريّة إلى المشاركة الجادّة فلا بدّ أن يبدأ التغيير منها، لا بدّ أن تكفّ النّساء أولاً عن محاكمة أنفسهنّ وبنات جنسهنّ بناءًا على أشكالهنّ، لا بدّ أن تكون المرأة أكثر ثقة بنفسها حتّى حين تفقد كلّ مظاهر الجمال الخارجيّ، ولا بدّ أن تكون قادرة على مواجهة العالم بهذه الثقة .

أمّا الاستمرار في لوم الرّجل وتحميله المسؤولية ولعب دور الضحيّة في هذا السياق فلن يغيّر من الأمر شيء .

عمى أبيض

هذه تجربتي الثّانية – بعد رواية ١٩٨٤ لجورج أوريول – في قراءة رواية أثناء مشاهدة الفيلم الّذي بني عليها في نفس الوقت، خصّصت يوم الجمعة الماضي لهذا الأمر، أقرأ بعض صفحات الرّواية ثمّ أشاهد جزءًا من الفيلم، وهكذا حتّى أنهيتهما خلال دفعتين .

في عام ٢٠٠٥ أو ٢٠٠٦ أوصتني إحدى الصّديقات بقراءة رواية العمى، اطّلعت على ملخّص القصّة وأجّلت قراءتها، ليس لأنّني لم أحبّها، لديّ أسباب أخرى لتأجيل القراءة، إنّنا حين نقرأ كتابًا ننهيه، ومن النّادر أن نعود إلى قراءته مرّة أخرى، وليست لديّ رغبة في إنهاء العديد من الكتب، كما أنّني أحيانًا أنتظر الوقت المناسب للقراءة، فلا يكفي الكتاب أن يكون جيّدًا كي أقرؤه، بل يجب أن يكون المناخ النّفسيّ مستعدًا له أيضًا.

العمى، إنّ أبرز ما في هذه الرواية هي غياب أسماء شخصيّاتها، بالتفكير في “مئة عام من العزلة” مثلاً ندرك كم أنّ هذا الغياب مفيد أحيانًا*، لا يوجد أسماء في رواية العمى، بل صفات بالكاد تُعَرّفنا على أصحابها: الطبيب، زوجة الطبيب، الفتاة ذات النّظارة السوداء، والأعمى الأوّل، أليس غريبًا أن تُقدَّم لنا إحدى أهمّ شخصيات الرواية بهذا الاسم المهمَل: الأعمى الأوّل .

إنّ الكاتب – سأسمّيه الكاتب انتقامًا لشخصياته – أراد بهذا التجريد أنّ ينزع عنهم من ما منحته إيّاهم الحضارة الإنسانيّة، هكذا أتخيّل، فالرّواية تعبير عن الانحطاط الحضاريّ الّذي قد تصل إليه البشرية حين يفقد الجميع أبصارهم، أو هي تعبير عن هشاشة الحضارة الّتي قد تُدمّر فقط بفقدان النّاس لأبصارهم – هل حقًا يكفي أن يحدث هذا كي تموت الحضارة؟ -، يكفّ النّاس عن التعرّف على أماكن الحمّامات فيتغوطون حيثما اتّفق، يفقدون الطريق إلى منازلهم فينامون على الأرصفة، ينقطع عنهم الماء وتتوقف الكهرباء لأنّهم عاجزون حتّى عن تشغيلها، وفي النّهاية يتعفّنون أكوامًا في مخزن الطعام لأنّهم لم يستطيعوا الخروج منه .

هناك مشاهد أخرى في الرواية لهذا الانحطاط لا أستطيع وصفها، ما جعلني أشاهد الفيلم في الحقيقة هو رغبتي برؤية هذا الانحطاط أمام عينيّ، فأن تشاهد أكوام الفضلات المتجمّعة في محجر صحّي للعميان هو أمر يضيف الكثير إلى تجربة القراءة عنها، على الأقلّ بالنّسبة لي، ولو استطعت أن أكثّف التجربة بالوصول إلى الروائح النتنة الّتي انتشرت في الرواية لفعلت ذلك .

زوجة الطبيب هي النّاجي الوحيد من مجزرة العمى، لم تنتقل إليها العدوى ببساطة، لماذا هي وحدها من بين ملايين النّاس؟ هذا سؤال بديهيّ، شخصيًا أظنّ بأنّ الكاتب احتاج إلى شاهد للأحداث، إلى شخص يساعده في بناء الرواية، وإلى زوج من الأعين لقرّائه، وقد اتّفق أن تكون زوجة الطبيب، ربّة البيت العاديّة الّتي لا تتميّز عن الآخرين في الرواية بأيّ شيء، ربّما ما عدا الشفقة المذهلة على الآخرين، لكنّ هذه الشّفقة قد تكون نتاجًا طبيعيًّا لاحتفاظها ببصرها في مجتمع أعمى، الشّعور المعذّب بالذنب لأنّها النّاجية الوحيدة من هذه المأساة – وهو شعور نحسّ به أحيانًا حين نصادف إنسانًا يعاني ممّا لا نعاني منه – أو ربّما أنّها شخصٌ رحيم ومشفق فحسب ظهرت قوّتها في هذه المأساة، فهي في نهاية الأمر امرأة، وما أقوى النّساء بعواطفهنّ .

عندما قرّرت البدء بقراءة هذه الرواية اعتقدتُ بأنّها مثل أغلب الكتب الأخرى الّتي أقرؤها قابلة للتجزئة، أستطيع قراءة صفحتين اليوم، خمسين صفحة غدًا، ثلاثة عشر صفحة في اليوم الّذي يليه … لكنّني عرفت مبكّرًا بأنّني مخطئة فتركتها حتّى أتفرّغ تمامًا لقراءتها في يوم أو يومين، قلتُ لصديقتي: إنّ هذه الرواية لا تُقرأ لمعرفة الأحداث، بل تُقرأ لعيش التجربة، تجربة العمى، تجربة الانحطاط الّذي يفترضه الكاتب، وحين تفرّغت لها فكّرت بأنّني لو أردتُ أن أكتب نصّا لفيلم فسوف يكون مبنيًا عليها، لا شكّ أنّ غيري فكّر بذلك أيضًا، بطريقة أعمق وأكثر جدّية، هكذا بحثت عن الفيلم وقررت مشاهدته أثناء القراءة .

مثل كلّ الأفلام المبنيّة على الروايات هناك اختصار للأحداث واختصار أكبر للكلمات، لكنّ فيلم العمى يتلاعب أيضًا في توقيت الأحداث ولا أدري لماذا، لا يوجد هدف واضح لهذا التلاعب، كما أنّه أضاف مشهدًا دخيلاً للقصّة، لكنّه بشكل عام جميل جدًا، لم يؤثّر في تجربة القراءة سلبيًا لكنّه أثراها وأغناها وهذا ما هو مفترض من الأفلام أن تفعل .

أخيرًا، بدأت بقراءة رواية أخرى للكاتب وهي “انقطاعات الموت”، لا أشعر بأنّني سأحبّها مثلما أحببت العمى، رغم أنّ بداية الرواية الصادمة أذهلتني – يتميّز الكاتب بهذه الصّدمات المباشرة -، لكن، لا أدري، يوجد أيضًا جزء آخر من رواية العمى وهو البصيرة أو Seeing أتوق لقراءته، أنوي إنهاء أعماله البارزة في الفترة القادمة، كتبت هذه المراجعة المزدوجة على عجل، شكرًا جزيلاً لإعطائي جزءًا من وقتكم لقراءتها، إلى اللقاء .

* الأسماء في رواية مئة عام من العزلة كثيرة ومكرّرة بشكل مزعج للقارئ، أوممتع ربّما.